Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2018/01/16

التغيير في القران الكريم محمد مهدي الآصفي

هدف الانبياء جميعا تغييرُ الانسان وفق منهج تربوي يقوم على أساس إنقاذه من عبادة الاوثان وتوجيهه لعبادة ربّ العالمين، ومن هذه الاوثان: طغيان الذاتية… هذا المقال يسلط الضوء على طريقة الاسلام في انتشال الانسان من الانانية… ولا يمكن لمجموعة بشرية أن تتفاهم وتتحاور وتتعاون وتتحد إلا إذا تجاوزت مرحلة عبادة الذات، فالمقال إذن يصب في هدف المجلة المتمثل بالوحدة والتقريب.
رسالة هذا الدين في حياة الإنسان هي "التغيير" و"الحركة".
وغاية هذه الحركة هي رضوان اللّه تعالى وقربه.
ومن خلال هذه "الحركة" يتكامل الإنسان ويبلغ نضجه ورشده.
وكمال الإنسان وسموه بقدر ماينال من قرب اللّه تعالى ورضوانه.

حقيقة التغيير
وحقيقة هذه الحركة تفصيل المواهب التي أودعها اللّه في نفس الانسان. وبوسع الإنسان أن يفعّل هذه المواهب وينمّيها كما أن بإمكانه أن يميت هذه المواهب ويعدمها.
ومن هذه المواهب: المعرفة، واليقين، والإخلاص، والإيثار، والرحمة، والحلم، والشجاعة، والقوة، والعطاء، والتضحية، والصدق. وكما يكمن في نواة الثمرة كل خصائص النخلة، إلا أن الفلاح يفعّل هذه الخصائص الكامنة في النواة بالتربة الصالحة والماء والنور والهواء والعناية، كذلك بوسع الإنسان أن يقوم بتفعيل ما أودع اللّه تعالى فيه - من المواهب - وهذا التفعيل هو حركة الإنسان التكاملية الى اللّه تعالى، وبعكسه سقوطه وفساده وخسرانه.
الخسران والفلاح في سورة العصر
وليس للانسان بين العروج الى اللّه والفلاح وبين السقوط والخُسران حالة ثالثة.
فإما أن يكون في حالة الخسران والسقوط، وهي الحالة العامة التي عليها أكثر الناس، وإما أن يكون في حالة الحركة والعروج الى اللّه، وهي الحالة التي عليها قلة من عباد اللّه.
وللأسف أن تكون الحالة الاولى هي الحالة العامة والحالة الثانية هي الاستثناء. وسورة "العصر" تبيّن هذه الحقائق جميعاً. تبيّن أن الإنسان بين العروج والسقوط وليست بينهما حالة ثالثة. يقول تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر
غير ممنون) [١].
وتبيّن أن حالة السقوط والخسران هي الحالة العامة للانسان: (والعصر إنّ الإنسان لفي خسر) والعروج والكمال هي الحالة الاستثنائية في حياة الناس: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [٢].
وتبيّن حقيقة ثالثة; هي أنّ توقّف الإنسان عن العروج سقوط، وعدم الربح خسران. فإن عمر الإنسان هو رأس مال الانسان، وهو في حالة انقضاء ونقصان، وخسران دائم. وكل لحظة من العمر لا يستثمرها الإنسان في هذه الحركة الصاعدة الى اللّه فقد خسر شطراً من الطريق، وفرصة من فرص الحركة والتكامل والتغيير… وهذا هو الخسران، ولذلك ورد في الحديث: "من تساوى يوماه فهو مغبون".
عوائق التغيير
ولهذا التغيير عوامل وعوائق، ولا يتم إلا من خلال هذه العوامل وإزالة هذه العوائق.
ومن هذه العوامل العقل، والإرادة، والفطرة، والضمير. ومن هذه العوائق الهوى الكامن في داخل النفس، والمغريات والفتن في ساحة حياة الإنسان، والشيطان، وهذا الأخير يسعى بين الأهواء والفتن فيثير الأهواء تجاه الفتن، ويزيّن الفتن للأهواء، ويغري الإنسان بذلك ويضلله ويوسوس في نفسه. وقيمة التغيير في حياة الإنسان أنه يتم من خلال هذا المثلث الرهيب من العوائق (الأهواء والفتن والشيطان).
ـ
١ - التين / ٤ - ٦.
٢ - العصر / ١ - ٣.
ولو لم تَجر حركة التغيير من خلال هذا المثلث الصعب من العوائق لم يكن للتغيير والتهذيب والتزكية في حياة الإنسان هذه القيمة.
الهوى والأنا
وتتم هذه الحركة التكاملية في حياة الإنسان باتجاهين:
١ - تحرير الإنسان من "الهوى".
٢ - تحرير الإنسان من "الانا".
والأنا والهوى عائقان يعيقان الإنسان عن معرفة اللّه وطاعته.
سلطان الهوى
وللهوى سلطان على الإنسان يخرجه من دائرة عبودية اللّه الى دائرة اتباع الهوى. ومن الناس من يطيع هواه، ويتبعه، كما لو كان إلهه هواه: (أرأيت مَن اتّخذ الهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً) [١]. (أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه وأضلّه اللّه على علم) [٢].
وهؤلاء تخرجهم أهواؤهم من دائرة "ولاية الله" وطاعته الى دائرة "ولاية الشيطان" واتباع الهوى.
وحركة الإنسان الى اللّه بعكس هذا الاتجاه تخرج الإنسان من دائرة نفوذ "الهوى" و"ولاية الشيطان"، وتدخله في دائرة ولاية الله، وتحررّه من سلطان الهوى والشيطان، وتبعّده لله تعالى وأمره ونهيه.
ولست أعرف تعبيراً أبلغ من الهوى ونفوذه وسلطانه على الإنسان من هذا
ـ
١ - الفرقان / ٤٢.
٢ - الجاثية / ٢٣.
التعبير المتكرر في القرآن: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه).
حجاب الأنا
هذا عن الهوى، وأما "الأنا" فهو حجاب يحجب الإنسان عنه الله.
وكما يخرج الهوى الإنسان عن دائرة ولاية اللّه تعالى كذلك تحجبه "الانا" عن معرفة الله، والنظر الى أسمائه وصفاته الحسنى.
وبقدرما يستغرق "الأنا" صاحبه، ويستقطب اهتماماته وسعيه وكدحه وفكره، ويشغل باله… يحرم الإنسان من النظر الى وجه الله، ويحجب عنه الله.
وبقدر ما يتحرر الإنسان عن ذاته، ويتخلّص من الاهتمام بها والانصراف إليها يتمكن من معرفة الله، وصفاته، وأسمائه الحسنى، والنظر الى وجهه الكريم.
وهذا وذاك متوازنان متعادلان.
طغيان "الانا" واستكباره
وللأنا في حياة الإنسان نحوان من البروز والظهور.
النحو الأول: الاستكبار والاستعلاء، واللّه تعالى يمقت الاستعلاء والاستكبار أشد المقت، يقول تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) [١].
وهذا نحو من طغيان "الأنا"، وهو من الاستكبار الذي يذمه اللّه في كتابه أشد الذم. ومبدأ هذا الطغيان هو رؤية "الأنا" والاشتداد اليها والعجب بها يقول
ـ
١ - القصص / ٨٣.
تعالى: (ان الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) وهذه الآية تحدّد العلاقة المباشرة بين الطغيان: (إنّ الإنسانَ ليطغى) ورؤية الذات والاستغراق فيها. وأول استكبار في التاريخ استكبار إبليس لعنه اللّه أن يستجيب لامر اللّه تعالى في السجود لآدم (عليه السلام) وقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين).
ومصيبة إبليس تتلخّص في كلمة واحدة وهي: (أنا خير منه)، ومصيبة فرعون تتلخص في نفس الكلمة فقال: (أنا ربكم الاعلى) و"الانا" و"الاستكبار" مصدر أكثر مصائب الانسان.
وطغيان "الأنا" من الاستكبار الذي يذمه اللّه تعالى في كتابه أشد الذم، ويمقته أشدّ المقت. والاستكبار حجاب عن المعرفة من دون شك. وهو أساس الاعراض والصدود عن اللّه تعالى. يقول سبحانه: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا اللّه يستكبرون) [١]. وأساس العناد واللجاج. يقول تعالى في وصف هؤلاء: (لوّوا رؤوسهم، ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون). وأساس الاستنكاف عن عبادة الله. يقول تعالى: (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً) [٢].
وعندما يتمادى المستكبرون في الغي يطبع اللّه على قلوبهم. يقول تعالى: (كذلك يطبع اللّه على كلّ قلب متكبّر جبّار) [٣].
وإذا طبع اللّه على قلوبهم انغلقت عليهم أبواب الرحمة من السماء: (إنّ الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتّح لهم أبواب السماء) [٤].
وبين انغلاق القلوب على اللّه وانغلاق السماء على القلوب علاقة وصلة
ـ
١ - الصافات / ٣٥.
٢ - النساء / ١٧٢.
٣ - غافر / ٣٥.
٤ - الاعراف / ٤٠.
واضحة. والنحو الآخر من ظهور "الأنا" في حياة الإنسان: أن يتحول "الأنا" الى محور يستقطب كل اهتمام الإنسان وسعيه وكدّه وجهده وطموحه. فإن "الأنا" عندئذ يتحول الى صنم يؤلّهه الإنسان من حيث يعلم أو لا يعلم.
والقرآن الكريم يرفض هذه المحوريّة للذات رفضاً قاطعاً - ويلغيه - ويثبّت في مقابله محورية اللّه تعالى في حياة الإنسان، والتي توضحه هذه الآية المباركة من سورة الأنعام: (قل إنني هداني ربي الى صراط مستقيم. دينا قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك اُمرت وأنا أول المسلمين) [١].
وإخلاص العمل لله على هذا النهج وتجريد العمل بل الحب والبغض عن كل شوائب الذات هو المنهج الإسلامي الصحيح في علاقة الإنسان بالله، ويقع هذا المنهج في مقابل نهج محورية الأنا والذات.
كما أن تعميق حالة محورية الأنا في حياة الإنسان نحوٌ من الشرك باللّه إلا أن هذا الشرك في العمل، وليس في العقيدة، ومقابل الاخلاص، وليس مقابل التوحيد.
وخلاصة الكلام أننا إذا أمعنّا النظر نجد أن سلوك الناس العملي والنفسي على نحوين.
النحو الأول من السلوك: هو أن تكون غاية الإنسان في سعيه وحركته وكلامه وسكوته ومواقفه وحبه وبغضه هو اللّه تعالى، وأن يكون مرضاة اللّه هو المحور الذي يستقطب كل حياته وهو قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين). وهذا هو الإخلاص لله تعالى.
ـ
١ - الانعام / ١٦١ - ١٦٣.
والنحو الاخر من السلوك: هو أن يكون "الانا" كل اهتمام الإنسان وطموحه وغايته في كل سعي وحركة وحب وبغض، وينقلب الأنا في حياته الى محور يستقطب كل اهتمامه وحركته. وهذا كما ذكرنا نحو من الشرك غير أنه في السلوك وليس في العقيدة، ولكنه على كل حال من الشرك الذي يذمه اللّه تعالى.
اذا قُلْتُ: ما أذنَبْتُ؟ قالت مجيبةً *** "وجودك" ذنبٌ، لا يقاس به ذنبُ
و"الأنا" عندما يحتل هذا الموقع من نفس الإنسان ينقلب الى حجاب يحجب الإنسان عن الله.
ومن الشعر الذي ينسب الى بعض العارفين من أصحاب الذوق:
بيني وبينك "إنّيٌ" [١] ينازعني *** فارفع بلطفك "انيّي" من البين
"التقوى" علاج الهوى
إن التقوى تخرج الإنسان من دائرة نفوذ "الهوى" و"ولاية الشيطان" وتدخله في دائرة "ولاية اللّه". وهذه دائرة أمينة ومساحة محميّة، لايدخلها الشيطان، فإن التقوى في حياة الإنسان حصن منيع يحمي الإنسان من نفوذ الهوى، وسلطان الشيطان يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "واعلموا عباد اللّه أن التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ اليه".
والعزيز: المقاوم، والحصن العزيز: الحصن المقاوم الذي يحمي من لجأ اليه من نفوذ العدو وسلطانه. والتقوى حصن عزيز، لا يقتحمه الشيطان، لكن يمسّ
ـ
١ - إنّيٌ: يعني أنانيّتي، وهي مشتقة من: إنيّ.
المتقين فيه مساً خفيفاً من بعيد، كأنه "طائف" يطوف بهم، فيتذكرون سريعاً، وبصورة مبكرة، ويأخذون حذرهم من الشيطان. يقول تعالى (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون).
"الذكر" علاج الأنا
وعلاج "الأنا": "الذكر".
فإن "الانا" يحجب الإنسان عن الله، والذكر يشدّ الإنسان باللّه ويفتح قلبه وعقله على الله، وبقدر ما يذكر الإنسان اللّه يتضاءل عنده الاحساس بالانا، وبقدر ما تملأ المعرفة قلبه وعقله ومشاعره، يختفي الأنا من عقله وقلبه ونفسه.
وقد ورد في القرآن النهي عن أن يلتهي إنسان بأمواله وأولاده عن ذكر اللّه فتكون أمواله وأولاده صارفة له عن ذكر الله. يقول تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. ومن يفعل ذلك فاُولئك هم الخاسرون) [١].
وبعكس ذلك، ذِكرُ اللّه تعالى، يصرف الإنسان عن ذاته وما يتعلق بها، إلا ما يكون من ذلك في امتداد ذكر اللّه فينشدّ الإنسان باللّه تعالى عن طريق الذكر، وينفتح عقله وقلبه على اللّه تعالى بالذكر.
وإذا انفتح قلب الإنسان على اللّه بالذكر ولم تحجبه أنانيته عن اللّه تعالى يجد في ذكر اللّه لذّة مجالسة الحبيب لحبيبه واُنس الحبيب بحبيبه، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام). "الذكر لذة المحبين" [٢]. وورد أيضا عن أمير
ـ
١ - المنافقون / ٩.
٢ - غرر الحكم للآمدي.
المؤمنين (عليه السلام): "الذكر مجالسة المحبوب" [١]. وورد أيضا: "ذاكر اللّه مجالِسُه" [٢]. وقال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله) اُحب أن أكون أخصّ الناس الى اللّه تعالى، قال: "أكثر ذكر اللّه تكن أخص العباد الى اللّه تعالى" [٣].
وسر ذلك واضح لمن أمعن النظر في هذا الأمر، فإن الذكر يحرّر الإنسان من نفسه، ويشدّه باللّه تعالى، ومهما كان هذا الشدّ والارتباط أقوى كان أخص باللّه تعالى.
وقد ورد في الحديث القدسي: "إن موسى بن عمران (عليه السلام) ناجى ربه عزّ وجلّ، قال: يارب أبعيد أنت منّي فاُناديك، أم قريب فاُناجيك؟ فأوحى اللّه جل جلاله: أنا جليس من ذكرني".
وفي الحديث القدسي أيضاً: "قال موسى: يارب أقريب أنت فاُناجيك؟ أم بعيد فاُناديك فانّي أحسُّ صوتك ولا أراك فأين أنت؟ فقال الله: أنا خلفك وأمامك ومن يمينك وعن شمالك. ياموسى أنا جليس عبدي حين يذكرني، وأنا معه إذا دعاني" [٤].
وهذه غاية في القرب من اللّه تعالى يحققها الذكر، ولا يحقق للانسان هذه الدرجة من القرب إلا إذا كان قد انصرف عن نفسه وذاته الى اللّه تعالى انصرافاً كاملاً، عندئذ يجد في ذكر اللّه تعالى لذة لا تفوقها لذّة حتى كأنّه قد جالس الله، تعالى عن أن يكون له جليس. وعندئذ يجد في أسماء اللّه وصفاته الحسنى من الجمال والجلال ما يشبع منه ولا يرتوي; مهما طال تفكيره وتأمله في اللّه تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى.
ـ
١ - غرر الحكم للآمدي.
٢ - غرر الحكم للآمدي.
٣ - بحار الانوار ٩٣ / ١٥٣.
٤ - كنز العمال للمتقي الهندي ح ١٨٧١.
الذكر والتقوى في وسط المجتمع
ولاشك أن "الذكر" و"التقوى" قاعدتان لانطلاق الإنسان وعروجه الى الله. ولا يجد الإنسان الى اللّه تعالى سلّماً أفضل من "الذكر" و"التقوى".
وطبيعة الذكر تتطلّب من الإنسان الابتعاد عن الناس والاعتزال ليخلو الإنسان لله، ويتفرغ لذكر الله. فإن الحياة الاجتماعية ومافيها من المواقع والفتن تربة خصبة لنموّ الأنا نفسه ومهما ابتعد الإنسان عن الحياة الاجتماعية يكون أقدر على حماية نفسه من سلطان "الأنا".
كما أن طبيعة "التقوى" تتطلب من الإنسان الابتعاد عن الوسط الاجتماعي ومافيه من المغريات والفتن والمثيرات، فإن هذه الفتن من عوامل إثارة الهوى وتهييجها، ومهما اعتزل الإنسان الحياة الاجتماعية يكون أقدر على حماية نفسه من سلطان الهوى ونفوذه.
ومن عجب أن الإسلام يأمرنا بمكافحة "الأنا" و"الهوى" من داخل الحياة الاجتماعية المليئة بالفتن والمغريات وليس، من خارجها وبالاعتزال والابتعاد عن الحياة الاجتماعية، كما هو الشأن عند "الرهبانية" التي يرفضها القرآن الكريم بصراحة. يقول تعالى: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم).
والنصوص الإسلامية ترفض الرهبانية رفضاً قاطعاً وتعتبر الحياة الاجتماعية أصلاً في هذا الدين.
روي أنه دخلت امرأة عثمان بن مظعون على عائشة، وكانت امرأة جميلة: فقالت عائشة: مالي أراك متعطلة؟ فقالت: ولمن أتزين؟ فواللّه ما قربني زوجي منذ كذا وكذا، فإنه قد ترهّب، ولبس المسوح وزهد في الدنيا. فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس،
فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: "مابال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيبات؟ ألا إني أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني" [١].
ودخل أمير المؤمنين (عليه السلام) على العلاء بن زياد الحارثي يعوده، وهو من أصحابه فلما رأى سعة داره قال: "ماكنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا؟ أما أنت اليها في الآخرة أحوج، بلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة". فقال العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو اليك أخي عاصم بن زياد، قال: وماله؟ قال: لبس العباء، وتخلّى عن الدنيا. قال: عليّ به، فلما جاء، قال: "ياعُديَّ نفسه لقد استهام بك الخبيث أما رحمت أهلك وولدك. أترى اللّه أحلَّ لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها. أنت أهون على اللّه من ذلك"، قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة وملبسك وجشوبة مأكلك، قال: "ويحك! إني لست كأنت. إن اللّه تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير فقره" [٢].
إذن الاسلام يرفض الرهبانية رفضاً قاطعاً، وفي نفس الوقت يأمر الناس بمكافحة الأنا والهوى.
إن في الأمر لسرّاً، وإن هذا السر من حقائق هذا الدين ومعارفه، فقد يتصور الإنسان لأول وهلة، وبالنظرة الاُولى أن "الرهابية" واعتزال الناس هو العامل المفضل للذكر والتقوى وأن الحياة الاجتماعية بما تحمل من المثيرات والمغريات والفتن من عوائق الذكر والتقوى. ولكن بعض الإمعان والتأمل في معارف هذا الدين يكشف لنا وجهاً آخر لهذه القضية قد يغيب عن الإنسان
ـ
١ - بحار الانوار ٧٠ / ١١٦.
٢ - نهج البلاغة - الخطبة ٢٠٩.
ويكشفه "الوحي". إن "الذكر" و"التقوى" هجرتان الى اللّه من "الأنا" و"الهوى". وقيمة "الذكر" و"التقوى" في هذه الهجرة، وعلى قدر مشقّة هذه الهجرة تكون قيمة الذكر والتقوى. ومهما كانت هذه الهجرة أشق على الإنسان وكانت معاناته فيها أعظم كانت قيمة الذكر والتقوى أعظم.
ولأمر ما لا تبلغ قيمة الذكر والتقوى عند الملائكة ما تبلغه في حياة الانسان. ولابد لهذا الإيجاز من تفصيل وشرح، واليك هذا الشرح.
الهجرتان
إن الهجرة قد تتم في ساحة المجتمع وعلى وجه الأرض، وقد تتم في داخل النفس.
والهجرة الاُولى هي الهجرة الصغرى، ومنها هجرة الأنبياء (عليهم السلام) وهجرة المسلمين الاُولى والثانية الى الحبشة.
والهجرة الثانية داخل النفس وهي هجرتان: هجرة كبرى، وهجرة عظمى، كما يسميها علماء الأخلاق. أما الكبرى فهي أن يهجر الإنسان في نفسه حب الظالمين وأعداء اللّه ويهجر النزوع والميل الى الشهوات والفتن التي حرّمها اللّه تعالى على عباده، وهذه هي الهجرة من الأهواء والفتن، وتتم داخل النفس، وهي الهجرة الكبرى في مقابل الهجرة الصغرى التي شرحناها قبل قليل.
والهجرة العظمى، هي أن يهجر الإنسان ذاته التي بين جنبيه، ويخلص نفسه وعمله لله ويتجرد من كل تعلّقات "الأنا" وأعراضه، فيحب لله ويبغض لله ويعمل لله ويهجر "الانا" و"الانانية" في حياته، وهذه هي الهجرة العظمى. فإن "الأنا" هو الحجاب الأعظم بين الإنسان وبين اللّه تعالى، ولا يحجب الإنسان عن
اللّه شيء كما تحجبه ذاته وغروره وعجبه بنفسه واستعلاؤه واستكباره. وهاتان هجرتان في حياة الإنسان الى الله.
وعروج الإنسان الى اللّه وقربه من اللّه تعالى يتم من خلال هاتين الهجرتين. ولا تتم هذه الهجرة وتلك إلا حينما ينتزع الإنسان نفسه من الفتن والأهواء والأنا والذات انتزاعاً، وكلّما كان هذا الانتزاع أشق على الإنسان كانت هجرته الى اللّه تعالى أبلغ وأعظم وقربه من اللّه تعالى أكثر، حتى يكون: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
وقاعدة الانطلاق في هذه الهجرة النفسية هي الحياة الاجتماعية، لما فيها من المثيرات والفتن والتقاطعات والتناقضات، وما يكتنفها من الشهوات والأهواء والحسد، والطمع، والاستكبار، والاستعلاء، والأنانية، والعجب، والغرور.
ومن هذه القاعدة فقط ينطلق الإنسان من داخل نفسه ويهاجر؟ من "الأنا" و"الهوى" الى الله.
وأما إذا اعتزل الإنسان حياة الناس وانكفأ على نفسه ولم يدخل حياة الناس من أبوابها ولم يتسلّم مسؤولية في حياة الناس فلا يجد معاناة ولا مشقة في هاتين الهجرتين. وقيمة هذه الهجرة فيما يتلقاه الإنسان من المعاناة في انتزاع نفسه من الهوى والأنا.
وهذا باب واسع من أبواب المعرفة في هذا الدين لايسعنا الآن أن نتحدث عنه بأكثر من هذا الحد.
الذكر والتقوى في منهج العبادات
و"الذكر" و"التقوى" أصلان في منهج التربية في الإسلام. ولكل منهما دور
في ارتباط الإنسان وانشداده باللّه تعالى، لا يغني أحدهما عن الآخر.
فـ "الذكر" يمنح الإنسان المعرفة واليقين والإحساس بحضور اللّه تعالى، ويفتح مغالق قلبه وعقله على الله، ويُشعرهُ بلذّة النظر الى وجه اللّه والتأمّل في أسماء اللّه وصفاته الحسنى.
وتمنحه التقوى "الطاعة" و"الانقياد" و"التسليم" لله والدخول في دائرة "ولاية الله".
ويمنحه الذكر الحب، والشوق، والاُنس بالله، ومعرفة الله، والخوف والخشية من الله، والمعرفة، واليقين، باللّه، والشكر، والحمد، والرجاء، والتوكل، والثقة بالله. ويمنحه التقوى الطاعة والتسليم والانقياد والعبودية، وبهذا وذاك يتكامل الإنسان ويعرج الى الله.
ومنهج العبادات في الإسلام مصمم بشكل دقيق لتحقيق حالتي الذكر والتقوى في الانسان. فالصلاة ذكر. ذكر كلها من ركوعها وسجودها وأذكارها. يقول تعالى: (أقم الصلوة لذكرى). والإكثار من الصلاة إكثار من الذكر، والاستغراق في الصلاة استغراق في الذكر. والزكاة والصوم تقوى، والحج ذكر وتقوى. وهكذا نجد أنّ العبادات في الاسلام صممت من قبل اللّه تعالى بشكل دقيق ليتمكن الإنسان من التحرر من محوري "الأنا" و"الهوى"، ويرتبط باللّه من خلال "الذكر" و"التقوى"، فهما الجناحان اللذان يعرج الإنسان بهما الى اللّه تعالى.
التبادل بين الذكر والتقوى
ورغم أن لـ "الذكر" و"التقوى" دورين مختلفين في حياة الانسان، فيختص
كل منهما بمساحة متميزة من وعي الإنسان وخلقه وسلوكه…. أقول: رغم ذلك فإننا نجد في القرآن، وفي الأحاديث تبادلاً في الأدوار بين الذكر والتقوى.
فيؤدي الذكر الى التقوى، وتؤدي التقوى الى الذكر، ويكون مردود كل منهما الآخر. وسوف نوضح هذا التبادل في الأدوار بين الذكر والتقوى فيمايلي.
علاقة الذكر بالتقوى
فقد يكون مردود "الذكر": "التقوى" في حياة الانسان، تأملوا في هذه الآية المباركة من سورة آل عمران (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم. ومن يغفر الذنوب إلا اللّه ولم يصرّوا على مافعلوا وهم يعلمون) [١].
وواضح من هذه الآية أن نتيجة "الذكر" ومردوده التقوى.
روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر اللّه خنس وإذا نسي التقم، فذالك الوسواس الخناس" [٢].
وروي عن علي (عليه السلام): "أن ذكر اللّه مطردة للشيطان" [٣].
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً: "ذكر اللّه دعامة الايمان وعصمة من الشيطان" [٤]. وروي أيضاً عن محمد الباقر (عليه السلام): "من أشد ما عمل العباد إنصاف المرء من نفسه، ومواساة المرء أخاه، وذكر اللّه على كلّ حال، وهو أن يذكر اللّه عزّ وجلّ عند المعصية، يهم بها فيحول ذكر اللّه بينه وبين تلك المعصية. وهو قول اللّه عزوجل: (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم
ـ
١ - آل عمران / ١٣٥.
٢ - تفسير نور الثقلين ٥ / ٥٣٥.
٣ - غرر الحكم للآمدي.
٤ - غرر الحكم للآمدي.
مبصرون).
وفي كتاب اللّه تصريح بهذه الحقيقة: يقول تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [١].
والصلاة ذكر بغير ريب يقول تعالى: (أقم الصلاة لذكري). وهذا الذكر ينهى الإنسان ويعصمه عن الفحشاء والمنكر وهو العصمة والتقوى.
علاقة التقوى بالذكر
والعكس أيضاً صحيح، فإن تقوى اللّه تعالى تمنح الإنسان البصيرة والمعرفة واليقين بالله، وهذه الاُمور من خصائص الذكر وتأتي هنا نتيجة للتقوى، يقول تعالى: (واتّقوا اللّه ويعلّمكم الله) [٢].
ويقول تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به) [٣]. وهذا النور الذي يرزق اللّه تعالى عباده بالتقوى من خصائص الذكر.
ويقول تعالى في أمر يوسف (عليه السلام): (ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين) [٤]. والعلم والمعرفة من خصائص الذكر، ويأتي هنا نتيجة للتقوى. وهذا هو ما ذكرناه من تبادل الادوار بين الذكر والتقوى.
الذكر الجمعي
وللذكر والدعاء الجمعي تأثير في الاستجابة وترقيق القلوب، والانفتاح على
ـ
١ - العنكبوت / ٤٥.
٢ - البقرة / ٢٨٢.
٣ - الحديد / ٢٨.
٤ - يوسف / ٢٢.
اللّه تعالى ليس في الذكر والدعاء المنفرد.
وإن القلوب لتستجيب لذكر اللّه تعالى وترقّ في الذكر الجمعي أضعاف ما تستجيب وترقّ في حالات الانفراد. وهذه النكتة من أسرار القلوب معارف هذا الدين. وقد شرع اللّه طائفة من الذكر على النهج الجمعي وفي وسط المجتمع ومن خلال الجماعة كصلاة الجماعة وصلاة الجمعة والحج. وإذا قمنا للصلاة بين يدي اللّه نقول: (إياك نعبد وإياك نستعين) بصيغة الجمع فإن صيغة الجمع أبلغ في العبودية والاستعانة باللّه تعالى.
وكذلك للتوبة والاستغفار الجمعي من التأثير في ترقيق القلوب والمغفرة ونزول الرحمة وارتفاع العذاب ماليس في التوبة والاستغفار المنفردين.
وكان داود (عليه السلام) يخرج للدعاء والتضرع الى البراري، فيخرج معه أربعة آلاف من الرهبان يتضرعون ويدعون ويستغفرون معه، فإذا قرأ الزبور تجاوبت معه البراري والجبال والأشجار، [١] ومن الذكر الجمعي توبة قوم يونس (عليه السلام)، بعد أن غضب عليهم نبيّهم يونس (عليه السلام) فدعا عليهم فاقبل عليهم العذاب. فلما رأوا نزول العذاب رجع إليهم ماغاب عنهم من رشدهم وندموا على مافعلوا من العصيان والتجرد والصد عن اللّه ورسوله فدعاهم العبد الصالح العالم (روبيل) اُن يرفعوا مجتمعين استغاثتهم وإنابتهم الى اللّه تعالى، لعل اللّه أن يردَّ عنهم العذاب، فدفع اللّه عنهم العذاب، ولم يرد اللّه تعالى العذاب عن قوم استحقوه ونزل عليهم غير قوم يونس: (فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس لمّـا آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتّعناهم إلى حين) [٢].
ـ
١ - راجع بحار الانوار ١٤ / ١٧.
٢ - يونس / ٩٨.
تقول الرواية التاريخية: إن روبيل أشار على قوم يونس أن يخرجوا جميعاً الى الوادي، ويضجوا الى اللّه تعالى مجتمعين بالبكاء والصراخ ويعزلوا الأطفال عن الاُمهات ويستغيثوا باللّه ويتضرّعوا اليه ليدفع عنهم البلاء. فعملوا بما أشار عليهم روبيل فردّ اللّه تعالى عنهم العذاب، وليست هذه المظاهر التي أشار عليهم روبيل لاستعطاف اللّه تعالى، فإن اللّه رحمان رحيم، شفيق، كريم، لا يحتاج الى مثيل هذه الوسائل للاستعطاف والترقيق، ولكنها لترقيق القلوب التي قست بالمعاصي، فلا تنفتح على الله، ولا ترقّ في الدعاء، وعلاج هذه القلوب أمثال هذه المشاهد التي ترقق القلوب القاسية وتزيل عنها الرين والقسوة، فتتمكن عندئذ من قبول رحمة اللّه تعالى.
دور الليل والنهار في حياة الانسان
ولكن رغم صحة ماذكرناه في الذكر والتقوى من التداخل والتبادل في الأوقات والأدوار… فإن بإمكاننا أن نقول: إن اللّه تعالى جعل الحالة الغالبة للنهار العمل و"التقوى"، والحالة الغالبة لليل "الذكر".
فقد جعل اللّه تعالى النهار في حياة الإنسان سعيا، وحركة دائبة وهي تتطلب من الإنسان "التقوى" ومراعاة حدود اللّه بدقة. وجعل اللّه سكون الليل فرصة للذكر والتبتل، والمناجاة، والدعاء، والقيام بين يدي الله. ويتكامل الإنسان تكاملاً سوياً في الليل والنهار.
دور الليل والنهار في سورة "المزمّل"
وقراءة متأملة لسورة "المزمّل" تثبت هذه الحقيقة، يقول تعالى: (يا أيّها
المزمّل قم اللّيل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلاً إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلا إن ناشئة اللّيل هي أشدّ وطأً وأقومُ قيلاً إنّ لك في النهار سبحاً طويلاً واذكر اسم ربك وتبتّل اليه تبتيلاً).
واللّه سبحانه يأمر رسوله في هذه الآيات أن يعدّ نفسه لأمرين عظيمين: للقول الثقيل الذي ينزل عليه من عند الله، وينهض به بأمر اللّه تعالى في الناس وهو كلمة التوحيد والدعوة الى الله: (إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) ولما تتطلبه هذه الكلمة وهذه الدعوة من حركة واسعة في المجتمع.
ولكي ينهض رسول الله (صلى الله عليه وآله) برسالة التوحيد في حياة الناس ويُعد نفسه لها يأمره اللّه تعالى أن ينظّم وقته في الليل والنهار، ويوزع جهده وهمّه بينهما. فيتفرغ في الليل للقيام بين يدي اللّه تعالى والذكر والتبتّل وترتيل القرآن ترتيلاً. ففي سكون الليل ينفتح القلب على اللّه تعالى ويجد الإنسان في نفسه من الاقبال على اللّه مالايجده في النهار.
فإن ناشئة الليل (وهي ما ينشؤه الإنسان في ساعات الليل من الذكر والصلاة وترتيل القرآن) هي أثبت لقلب الانسان، و"أشد وطأ" وأقوم لمنطقه وحجته.
ولذلك; يأمر اللّه تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) أن يتفرغ في الليل للقيام والذكر وترتيل القرآن ليعدّ نفسه لاستقبال القول الثقيل والقيام به في الناس، وليعد نفسه لما تتطلّبه رسالة التوحيد والدعوة الى اللّه من حركة واسعة وتقلب في النهار في المجتمع: (إن لك في النهار سبحاً طويلاً).
وهذا السبح الطويل والتقلب الواسع للقيام بهذا القول الثقيل في النهار … يتطلب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعد نفسه إعداداً صعباً من سكون الليل ليوطئ
قلبه وقدمه وليقوّم منطقه وحجته: (هي أشدّ وطأً وأقوم قيلاً) للقيام بهذه الرسالة في المجتمع.
وهذا هو المنهج القرآني القويم في توزيع جهد الإنسان وعمله في الليل والنهار، وينظم دور الليل والنهار في حياته بصورة صحيحة.
دولة الليل ودولة النهار
ولليل رجال ودولة، وللنهار رجال ودولة. ودولة الليل في التضرع والاستكانة الى اللّه والدعاء والمناجاة والذكر والخشوع والتبتل والإنابة والتوبة. ودولة النهار من الجد والعزم والسعي والكدح والجهاد والتقوى. منهما دولة، ولكل دولة رجال وأبطال.
ومن الناس من يكون من رجال الليل. وليس من رجال النهار. فإذا جاء الليل نشط للعبادة والتضرع والبكاء والاستكانة، واحتفت به ملائكة اللّه تسمع مناجاته ودعاءه، وتشتاق الى حنينه وبكائه وإخباته وتبتله بين يدي الله. اُولئك أصحاب دولة الليل فهنيئاً لهم وطوبى.
ومن الناس من يكون من رجال النهار في العزم والجد والكدح والتقوى والاخلاص فإذا حلّ به الليل أخلد الى النوم وسلّم للنوم جوارحه وجوانحه تسليماً.
والنوم في حياة الإنسان حاجة كسائر حاجاته الطبيعية، يأخذ منه المؤمن ما يحتاجه منه ولا يستسلم له. فإن المؤمن إذا اقتصر من النوم على حاجته تحكّم هو في النوم، وإذا سلّم له جوارحه وجوانحه تحكّم النوم فيه. وهؤلاء هم النمط الثاني من الناس.
والنمط الثالث من الناس الذين آتاهم اللّه تعالى دولة الليل، وهم أقل من القليل وصفوة الصفوة من عباد الله، ولا يتكامل الإنسان حق الكمال ولا يبلغ ذروة التقوى والصلاح والمعرفة والذكر إلا عندما يجمع بين دولة الليل والنهار.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هؤلاء في خطبة المتقين المعروفة بخطبة همّام:
"أما الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً يحزّنون به أنفسهم ويستثيرون دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً وظنّوا أنها نصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم فظنّوا أن زفير جهنم وشهيقها في اُصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء قد براهم الخوف بري القداح ينظر اليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقول: لقد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم".