Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2018/01/18

الحاجة الى خلق رأسمال في العراق

محمد رضا عباس
السياسات الاقتصادية الخاطئة و حروب النظام السابق المتكررة و المقاطعة الاقتصادية العالمية ضد العراق بعد احتلاله دولة الكويت , ومن ثم العمليات الإرهابية التي طالت البشر والحجر بعد التغيير سببت بإفقار المواطن العراقي . كان دخل المواطن العراق عام 1975 ما يقارب العشرة ألاف دولار , وبعد ما يقارب 40 عاما تراجع دخله ليكون بالكاد 5 الإلف دولار , وهو تراجع خطير , اثر على مستوى المواطن المعاشي , وترك بغداد وبقية المحافظات بدون معالم حضارية يشد إليها الرحال , وعطل الماكنة الإنتاجية . العراق اصبح يستورد الماء , التمر , الطماطة , البيض , ولحم الدجاج. بالحقيقة , اصبح العراق مثل محلات Walmart الأمريكية , كل شيء فيها ألا صنع في الولايات المتحدة لا فيها . كل ما يباع فيها هو من صنع الصين , ومن النادر جدا العثور على سلعة من صنع الأمريكان.
رأسمال قد هجر العراق , ومن تبقى من أصحابه , بكل اسف, في العراق أصبحت وظيفتهم تحويل الأرباح التي يجنوها في العراق إلى دول أخرى . أكثر من ذلك فان المليارات من الدولارات تخرج من العراق قانونيا وغير قانونيا وبحجج مختلفة. الآلاف من المتقاعدين والذين يسكنون خارج العراق يستلمون رواتبهم بالعملة الصعبة بدل الدينار , الآلاف من المواطنين العراقيين الذين تركوا العراق قد باعوا عقاراتهم وأملاكهم وهربوا ثروتهم خارج العراق بالعملة الصعبة . بعض العراقيين هربوا ثرواتهم خارج العراق من اجل استثمارها في أوطانهم الجديدة بسبب قالة الطاقة الكهربائية , نقص خبرة الأيدي العاملة والولاء لأعمالهم , والخوف من العمليات الإرهابية التي قد يكونوا احد ضحاياها.
لا يوجد رأسمال في العراق , ومن له بعض المال اصبح يخاف استثماره خوفا من المجاميع المسلحة و الفدية , والاختطاف من اجل الفدية . هذه حقيقة يجب على المخطط العراقي الاعتراف بها. في زيارتي الأخيرة إلى العراق وتحدثي مع بعض تجار الشورجة , وجدت إن الكثير منهم يخاف حتى التعامل مع البنوك التجارية خوفا من موظف البنك بيع أسماءهم الى عصابات الجريمة المنظمة , بل وجدت بعض التجار يتعمدون باستخدام سيارات قديمة في تنقلهم من البيت الى العمل وبالعكس حتى يكونوا بعيدين عن اعين عصابات القتل والسرقة . البارحة , قرات خبر من على هذه الصفحة مفاده ان احد المستثمرين نجا من القتل بأعجوبة في محافظة المثنى .
لا يجوز ان يبقى العراق هكذا , وعدد سكانه يتزايد سنويا بحوالي مليون مواطن . العراقي يحتاج الى عمل , يحتاج ان يكون مواطن صالحا لأهله ووطنه , يحتاج ان يكون ناجحا , محترما , مهيوبا , و ثقة عالية بنفسه. البطالة تقتل الرجولة و تلغي الشخصية , وتضيع الثقة بالنفس وهو مالا يريده العراقي , لأنها ليس من صفاته. العراقي مشهور بالكرم والضيافة وتقديم كل ما يملكه للضيف. انها عادة تأصلت به منذ خلق الله الأرض , وسوف يرفض دون ذلك. جميع الثورات التي شاهدها العراق كانت سببها الاقتصاد , وبقاء العراق بدون مشاريع كبرى تستوعب العاطلين عن العمل يعد مشكلة اجتماعية واقتصادية كبيرة ومخالفة صريحة للدستور العراقي والذي وعد المواطن العراقي بعمل يحفظ كرامته و حاجة عائلته.
الحكومة وعدت العراقيين بدعم القطاع الخاص ليكون قائدا للاقتصاد الوطني , ولكن ما فائدة الدعم بدون وجود رأسمال قادرا على انشاء بناية لمصنع , قادرا لشراء المكائن والآلات , وقادرا على دفع أجور العمال؟ لا يمكن التعويل على رأسمال الخاص الموجود منه في العراق حاليا. الحل ان تقوم الدولة بتقديم رأسمال الى من له القدرة والعقلية على الإدارة. في العراق عقول إدارية جبارة ولكنها بدون رأسمال ومن واجب الحكومة دعم هذه الشريحة من المجتمع. ان خلق رأسمال عن طريق الحكومة ليست بدعة جديدة تخالف القوانين الاقتصادية , فقد استخدمتها جميع النظم السياسية بمختلف أيدولوجياتها . الولايات المتحدة , بريطانيا , الصين , روسيا , مصر , و أوربا الشرقية استخدموا طرق متعددة لتشجيع تشكيل رأسمال , وكانت النتيجة مدهشة .
الحكومة العراقية تمتلك أراضي زراعية هائلة , ولكن بقية هذه الأراضي بدون زرع ولا ماء وبقى العراق يستورد الطماطة والخيار لسد حاجة مواطنيه منهما . الدولة تستطيع اشباع حاجة المواطن من الفاكهة والخضر وذلك عن طريق توزيع الأراضي الزراعية للراغبين في الزراعة من المواطنين وتقديم القروض المجانية او قليلة الكلفة حتى يستطيعوا توفير ما تحتاجه الزراعة من معدات وبناء. الحرب مع داعش اخرج لنا ابطال شجعان ومن واجب الحكومة مكافئتهم بقطع أراضي زراعية تمكنهم من ان يكونوا من أصحاب رأسمال. هناك ابطال من اهل الانبار والموصل وصلاح الدين من وقف في وجه الإرهاب الداعشي وعلى الحكومة تقديم كافة أنواع الدعم المالي ليكونوا قادة المستقبل لمحافظاتهم . القادة العسكريين والذين قظوا على اسطورة داعش هم أيضا يستحقون التكريم ويستحقون قروض رخيصة تمكنهم من تأسيس مشاريع اقتصادية يستفاد منها العراق ويوفر العمل للشباب. العراق وهو متجه نحو البناء والتعمير يحتاج الى مصانع للحديد , الطابوق , الاسمنت , والاخشاب . ولكن هذه المشاريع تحتاج الى رأسمال لا يمكن لعسكري ومن الذين قادوا النصر على داعش في الشرقاط وتكريت وفلوجة والرمادي والموصل توفيره ومن واجب الحكومة توفير القروض الميسرة لهؤلاء الابطال , وبذلك تكون الحكومة قد ضربت عصفورين بحجر واحد , مكافئة المقاتلين و توفير العمل للعراقيين.
هناك مشاريع حكومية فاشلة وأصبحت تشكل عبء مالي ثقيل على ميزانية الدولة وعلى الدولة التخلص منها وذلك عن طريق تمليكها الى أعضاء الحشد الشعبي المقدس والبيشمركة وأبناء العشائر الذين حاربوا داعش. ان تمليك هذه المشاريع الى هؤلاء المحاربين الابطال يوفر على الحكومة أموال طائلة ويؤمن النجاح لها لان من يقاتل تنظيم داعش سيكون قادرا على إدارة مصنع ونجاحه.
في العراق مشاريع مملوكة من قبل القطاع الخاص , على الحكومة تشجيعها و ذلك عن طريق اجبار الوزارة التعامل معها . انه من الغريب ان يوجد هناك معامل لصنع الجلود و صنع الأحذية في العراق , و وزارة الدفاع تستورد البسطال من الخارج . وهناك مصانع للأنسجة والخياطة في العراق ووزارة الداخلية تستورد الملابس لا فرادها من الخارج. هناك صناعات مهمة في العراق لها الحظ ان تكون كبيرة جدا لو قامت الحكومة بالتعامل معها وأغطتها بالحماية التي تحتاجها. داعش وانهيار أسعار النفط في أسواق العالمية ربما ضارة نافعة. القادة العظام هم انتاج الوقت الصعب , وان ما يمر به العراق من ظروف سياسية ومالية صعبة قد انتج قادة عظام من العسكريين والمدنيين باستطاعتهم قيادة البلاد الى بر الامان , بلد يستوعب الكل و يوفر فرص العمل للكل , وقيام الدولة بتوفير القروض الميسرة للمواطن العراقي ذو القدرة الإدارية سيحقق هذه الاهداف.