Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2018/10/21

ما هو تعويم العملة الوطنية وما هو تأثيره الاقتصادي على حياة المواطن؟ محمد رضا عباس

هناك نوعين من التعويم. الأول، التعويم الخاص والثاني التعويم الموجه. الأول هو ترك تحديد سعر صرف العملة الوطنية بيد السوق. زيادة الطلب على الدولار في السوق المحلية يؤدي الى رفع صرف الدولار قياسا بالعملة المحلية، بينما انخفاض الطلب على الدولار يعني انخفاض سعر صرف الدولار في السوق المحلية. الحالة شبيه جدا أيام المقاطعة الاقتصادية العالمية ضد العراق بعد احتلال العراق لدولة الكويت، حيث زاد سعر صرف الدولار الأمريكي قياسا الى الدينار العراقي بشكل لم يسبقه الا المارك الألماني ابان الحرب العالمية الثانية. سعر صرف الدينار العراقي نسبة الى الدولار الأمريكي اخفضت من 2.8 دولار لكل دينار عراقي، الى 5,000 دينار عراقي لكل دولار امريكي. تحديد سعر صرف العملة تماما مثل تحديد سعر الطماطة في علوة المخضر , في بغداد. زيادة العرض منها يؤدي الى انخفاض سعرها في السوق، بينما انخفاض عرضها في السوق يؤدي الى ارتفاع في أسعارها . النوع الثاني هو نفس النوع الأول عدا هو تدخل البنك المركزي عندما تنخفض قيمة صرف العملة المحلية اقل من المقرر لها او يصعد سعر صرف العملة المحلية اعلى من المقرر لها. أي سعر صرف العملة المحلية قياسا بالدولار، على سبيل المثال , يجب ان يكون وفق حدود دنيا وعليا , لا يجوز للعملة الوطنية تجاوزها.

لا تستطيع الدولة النفطية بتعويم عملتها اتجاه العملات العالمية ولسبب بسيط هو ان الحكومات المصدرة للنفط هي التي تحتكر العملات الأجنبية , لأنها هي أكبر مصدرين السلع (النفط) في البلد وبذلك هي التي تملك العملات الصعبة, وبذلك يصبح من مصلحتها حماية عملتها المحلية من الانهيار , في حالة عدم توفير ما يحتاجه المستوردين للسلع والخدمات من عملات صعبة . الدول النفطية تستلم الإيرادات النفطية بالعملة الأجنبية، ومن خلال توفير هذه العملة الى المستوردين المحليين تستطيع هذه البلدان تمويل استيراداتها من السلع والخدمات. العراق على سبيل المثال يزداد رصيده من الدولارات من خلال صادراته النفطية الى الأسواق العالمية، ومن ثم طرح ما يجمعه من العملات في البنوك التجارية المحلية من اجل تسديد فاتورة استيراداته من السلع والخدمات.

لتوضيح الفكرة اكثر , لنفترض ان الحكومة العراقية قررت احتكار كل ما تستلمه من العائدات النفطية والتي تمثل 95% من مجموع صادرات العراق , هذا القرار الحكومي , يعني حرمان الاقتصاد الوطني من 95% من عائدات البلد من العملات الصعبة , ولم يبقى للسوق سوى 5% من العملات الصعبة , وهي تمثل صادرات القطاع الخاص في البلد . بكل تأكيد ان توفر 5% من العملات الصعبة سوف لن يكون كافيا لدفع كلف استيرادات السلع والخدمات التي يحتاجها العراق في السنة الواحدة . ماذا سيحدث للاقتصاد الوطني العراقي؟ في هذه الحالة سوف يضطر التجار والمحتاجين للعملات الصعبة (المرضى الذين يرغبون العلاج خارج البلد) الى شراء العملات الصعبة من السوق (الصرافين) , ان ترك المواطن العراقي شراء ما يحتاجه من العملات الأجنبية وفق ما يقرره السوق من أسعار يدعى ( تعويم الدينار) . في هذه الحالة سيكون حجم العملات الصعبة صغيرا جدا قياسا بما يحتاجه البلد , وسوف يتراكض المستوردين بشراء الكميات التي يحتاجونها بأسعار مرتفعة جدا . ان ارتفاع أسعار العملات الصعبة قياسا للعملة المحلية , يعني ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة . وطالما وان العراق يستورد على الأقل 75% من احتياجاته من السلع والخدمات , فان موجة من غلاء الأسعار سوف تجتاح البلاد (التضخم المالي) الى درجة ان أسعار معظم السلع والخدمات ستكون خارج قدرة المواطن على الدفع , و سيعم الغضب الشعبي , وتصبح الحكومة هدفا للتظاهرات والاحتجاجات . وهاذا هو السبب في اختيار الدول النفطية بطرح جزء كبير من العملات الصعبة التي تستلمها عن قيمة النفط المباع الى المستوردين وأصحاب الحاجة الى العملات الصعبة . ان توفير العملات الصعبة في البلد يعني استقرار الأسعار في أسواق السلع والخدمات , استقرار قيمة العملة المحلية قياسا بأسعار العملات العالمية , واستقرار أمني للبلد.
اما الدول الغير نفطية والدول التي ليس بإمكانها تصدير الموارد الطبيعية والسلع المصنعة , فأنها في الغالب تضطر للاقتراض من اجل شراء ما تحتاجه من سلع وخدمات , وهذه الدول هي التي يحبها دونالد ترامب , حيث كما يتصور, يستطيع , وتحت ضائقتها المالية , رشوتها من اجل تمرير سياسته الخارجية .
النظرية الاقتصادية الكلاسيكية لم تتطرق لما ستعاني منه الدول التي تفتقر الى الموارد الطبيعية او الدول التي لا تملك قاعدة إنتاجية للتصدير , وانما افترضت , ان زيادة العجز التجاري لبلد معين يعني زيادة طلب ذلك البلد على العملات الأجنبية وانخفاض قيمة عملته المحلية . ان هذا الانخفاض بدوره سيعطي للبلد فرصة لتعزيز قدرة منتوجاته التنافسية في السوق العالمية، زيادة صادراته، زيادة الطلب على العمال , تقليص استيراداته , وأخيرا اختفاء العجز التجاري. هذه النظرية كانت هي المعمول بها حتى تاريخ الكساد العالمي الذي ظهر في الثلاثينيات من القرن الماضي، والذي اثبتت ان الاقتصاد لا يمكن الوصول الى توازن بدون تدخل الدولة. ان تكرر الدورات الاقتصادية , جعلت من الصعوبة قبول النظرية الاقتصادية الكلاسيكية حتى من قبل اشد السياسيين و الاقتصاديين تحفظا . تصور ماذا سيحل بالاقتصاد العالمي لو لم يتدخل البنك الاحتياط الأمريكي و البنوك المركزية الاوربية والحكومات الغربية لإنقاذ الاقتصاد العالمي من الركود العظيم الذي ضرب الاقتصاد العالمي عام 2007 و2008؟ الحكومة الامريكية دعمت الاقتصاد الوطني بما يساوي الترليون دولار واضطرت بتشريع قوانين جديدة من اجل مراقبة حركة الاقتصاد المحلي , إضافة الى اضطرار الإدارة الامريكية قبول اغلاق شركات عملاقة أبوابها.
هناك امل واحد لتعويم عملات الدول النفطية، وهو عندما يصبح القطاع النفطي صغير وغير مؤثر , وهو امل ضعيف الاحتمال في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة في الدول المصدرة للنفط الان . وطالما وانه لا امل من ان يكون القطاع النفطي في الدول المصدرة للنفط غير قيادي في التنمية الوطنية , فان هذه الدول ستستمر بالاعتماد على بيع النفط , وسيبقى القطاعات الاقتصادية الأخرى مهملة , وسيبقى القطاع النفطي هو القائد في الاقتصاد الوطني, وستبقى العملة الوطنية بعيدة عن تقلبات السوق.