Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2020/08/12

( السِّندية ) فاجعة تأبى النسيان

صورةالخالص ، مدينة عراقية ومركز قضاء يتبع إداريا إلى محافظة ديالى. وهي تقع شمال ديالى وتبعد عن العاصمة بغداد بحوالي 55 كيلومتر .. ويضم قضاء الخالص الكثير من القرى والقصبات ، ومن هذه القرى قرية (السِّندية) التي تغفو على ضفاف نهر دجلة ، والتي جاء اسمها من نوع الزراعة التي تشتهر به وهو البرتقال والسندي ...
تبلغ مساحة السندية بحدود مع الاراضي الزراعية ( بحدود ٢٠ كم مربع ) ويتراوح عدد سكانها في عام (1980) ٦٠٠٠ ألف نسمة ، وقد حباها الله بخصوبة أرضها التي تزرع بها المحاصيل الزراعية كافة ..
أمتاز أهل (السِّندية) بالطيبة وحسن الخلق ومعشرهم وكرمهم وترحيبهم بكل من يحل بساحتهم ضيفاً عليهم ، وهكذا كان يعيشون حياته بتلك البساطة والعفوية التي كانت الصفة المميزة لأغلب أبناء القرية.
حقبة البعث السوداء
ما أن استلم نظام البعث الدكتاتوري المقبور نظام الحكم في العراق ، إذ شكّل كابوساً جثم على صدور العراقيين بما فيهم أهالي هذه القرية ، لما قام به هذا النظام من بطش وقسوة مع شرائح المجتمع كافة وخاصة الذين لم يسيروا في ركبه ولم يؤمنوا بفكره الشمولي ونهجه المنحرف ..
وكرد طبيعي للواقع المظلم الذي أشاعه البعثيون ، برزت بعض الحركات التي تناهض هذا الفكر وتتصدى له وتكشف أساليبه الخبيثة وخصوصاً أبناء الحركة الاسلامية ، مما جعل الطاغية المقبور يكشّر عن أنيابه المسمومة وأساليبه ، فبدأ بملاحقة المخلصين الرساليين من أبناء (السِّندية) ، والبطش بهم واعدامهم . . وكان أشد هذه الأيام على أبناء هذه القرية هو يوم الجمعة المصادف (9/8/1981) ، ففيه برز الكثير من الابطال من أبناء هذه القرية المنسية الذين كانوا في مقدمة السائرين في طريق الشهادة..
ففي مثل هذا اليوم استيقضنا صباحاً على صوت الطائرات في سماء قريتنا وهي تُسمع في كل مكان وبعدها بدء النداء بمكبرات الصوت يأمرون سكان القرية جميعاً بما فيهم المرضى والعجزة الى مغادرة منازلهم والتوجه الى الساحة العامة في وسط القرية بجانب المسجد ، وسيكون القتل مصير من لم يلتزم بالأمر ..!
وعند خروجنا من منازلنا شاهدنا القوات الصدامية من أمن واستخبارات وجيش شعبي باعداد هائلة وهم مُدججون بالسلاح ومتوشحون بوشاح احمر اللون فوق ملابسهم للتعريف فيما بينهم ويأمروننا فوراً وبدون أي تأخير بالتوجه الى الساحة ، كان لبُكاء الأطفال وذهولهم عندما أيقظناهم من النوم في تلك الساعة من الفجر يثير الحزن في قلوبنا .
وهناك وجدنا المجرمين كل من سعدون شاكر وطه الجزراوي وعدد كبير من قادة الأجهزة القمعية التابعة للنظام المقبور فضلاً عن السيارت المصفحة والزوارق الحربية في نهر دجلة وهي تطلق النار بشكل عشوائي على الجزرات والبساتين الواقعة على ضفاف دجلة !! وكان أفراد الجيش الشعبي بسلاحهم المشهور وأوامرهم القاسية الجائرة يحيطون بنا ويأمرونا بأوامر وحشية رهيبة لا تراعي هلع الأطفال وخوفهم ولا صراخ النساء ولا توسلات الشيوخ .
وهناك (في الساحة) كان المنظر المأساوي الذي تتفطر منه قلوب الشرفاء الأحرار وتستحي لبشاعته حتى الذئاب .. وجدنا عشرات العوائل (السندية) المؤمنة قد تم وصولها قبل وصولنا ، من الطفل الرضيع وحتى الشيخ الطاعن في السن والنساء .. بكاء الأطفال يملأ المكان مع صراخ النسوة ، كيف لا وكأن القيامه قد قامت !! وهم وسط حلقة من البعثيين السفلة ورجال الأمن وقد شهروا أسلحتهم بوحوه المحجوزين وسط هذا المكان الموحش الرهيب . بدأوا يقذفوننا بشتى أنواع السباب وبألفاظ تُعطي للسامع الشريف نوع هوايتهم واصولهم ! !
يتهموننا بأنواع التُهم ، بالمجوسية تارة ، وبالخيانة والعمالة تارة اُخرى ، وهم يعلمون بقرارة نفوسهم المريضة إن هذه العوائل بمجموعها عوائل أحرار أبرياء لم يكُن لها طموح سوى أن يسود العدل ويعلو الحق لكن الحقد الأسود والحسد الأعمى والقلوب المريضة التي لها جذور في الخسة والأجرام أباً عن جد .
وبعدها تم توجيه النداءات بواسطة مكبرات الصوت وفحواها ، ان أي عائلة تملك سلاح ناري حتى بنادق الصيد ولم تقم بتسليمها ستواجه عقاباً شديداً ، وبدأ جميع سكان القرية وسط هذه الاجواء المرعبة تسليم أسلحتهم الشخصية من مسدسات وبنادق قديمة ..
بعد الانتهاء من هذ العملية التي استمرت لساعات ، ووسط هذه الاجواء الارهابية طُلب من الجميع مغادرة المكان الى منازلهم على شكل صف واحد بعد الآخر والمرور من امام سعدون شاكر وطه الجزراوي وباقي القتلة ، ويقوم بعض المجرمين بالتأشير على بعض الاشخاص ويتم اعتقالهم مباشرة ، وكان من ضمن الذين تم اعتقالهم والدي الشهيد الحاج مهدي واخوانه كل من الشهيد محمد حسين والشهيد محمد علي والشهيد محمد باقر وجعفر ، وهو الوحيد الذي خرج من المعتقل بعد سنين طويلة ، إذ تم الحكم عليه بالسجن المؤبد ، وكذلك عدد من ابناء السيد عبد الله وآخرون من اهالى القرية..
وعند مغادرتنا ونحن في طريقنا الى منازلنا تم قصف منزلنا ومنزل السيد عبد الله من الطائرات واشتعال النيران فيها وكنا في أشد الذهول لما يحدث ، وكان الخوف والرعب مسيطر على المنطقة بشكل رهيب واعداد كبيرة من جلاوزة الامن يجوبون بعجلاتهم شوارع القرية والقيام باعتقال وتعذيب بعض أبناء القرية امام الجميع ، ومنهم الشهيد عيسى الذي تم قلع عينه أمام الجميع ..
مضت تلك الساعات بحزنها وخوفها وألمها وهمومها ببطء قاتل ، وفي صباح اليوم الثاني ووسط تطويقهم للمنطقة بشكل ارهابي محكم واذا بصوت الجرافات الكبيرة تتقدم نحو القرية ، وهي تهدم بعض الدور منها دار والدي واعمامي اخوان أبي وهي سبعة دور على مساحة ٥٠٠٠ متر تقريباً ، إذ تحولت هذه الدور الى ساحة كبيرة مليئة بالانقاض .كذلك تم تهديم دور بيت السيد عبد الله وأولاده ومفلس الشهيد محمد حسين ، وقاعات تربية الدواجن ، وجرف بعض البساتين ..
كانت ساعات ولحظات لا يمكن تصورها من الخوف والارهاب عشناها بألم وحسرة ، كان جميع أهالي المنطقة في حالة رعب ، وبعد مرور أقل من شهر أي في تاريخ ٦ / ٩ / ١٩٨١ تم اعدام أغلب المعتقلين بقرار من ما يسمى بـ (محكمة الثورة) سيئة الصيت ، وكان عدد الذين اعدموا بهذا القرار ١٠٥ شهيد من عدة محافظات ، أغلبهم من قرية السندية ، والتهمة التي وجهت اليهم هي محاولة القيام بانقلاب عسكري لمجموعة من الضباط ...
بقيت عوائلنا مشردة ومختفية عند الاقارب وقسم منها تم اعتقالهم في نكرة السلمان .. وانا بعد مرور اربعة اشهر تقريباً تم اعتقالي من قبل امن ديالى بقيت لأكثر من سنة ونصف في معتقلات البعث الاجرامية والقصة تطول وتطول لكثرة ما فيها من ماسي لايمكن ان يتصورها العقل البشري اكتفي بهذه الكلمات البسيطة لتكون وثيقة شهادة للتاريخ على جراىم البعث ..

السجين السياسي وابن الشهيد واخ الشهيد الحاج محمد الشمري
 


ادخل الحروف والأرقام الموجودة في الصورة:
 
غير حساس لحالة الأحرف