Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2011/12/19

رذيلة الكذب وخطورتها على التماسك الاجتماعي

مكي البغدادي
قال تعالى :(ان الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) سورة النحل الآية 104 ـ 105
من التأمل والتدبر في هاتين الآيتين الكريمتين نستلهم بعض العبر وتظهر لنا عدة فوائد :
1 – يتبين لنا ان هناك علاقة حقيقية بين الكفر والكذب .
2 – كما انه لا يمكن ان يجتمع الضدان المختلفان، ولا ان يلتقي القطبان المتنافران، كذلك يجب ان يبتعد الذين لا يؤمنون بآيات الله عن رذيلة الكذب، وان الذين يمارسون رذيلة الكذب هم اقرب الناس للكفر منهم للإيمان وان كان ظاهرهم وحديثهم على عكس ذلك ! وفي نظر الإسلام لا يصح القياس على الظاهر من دون تثبت، لذلك لا يعتمد عليه في التقييم، ومن هنا جاء ان الكذاب مرتبط قلبه بالكفر فلا يؤمن بآيات الله في باطنه، ولا يهديه الله سبحانه إلى سواء السبيل .
3 – ان الذين يفترون الكذب، ويعتمدون عليه في معاملاتهم العامة هؤلاء لا يهديهم الهف إلى سبل النجاة، فالكذب لا يؤدي إلى النجاة لأن الكذب كعادة سلوكية متأصلة في النفس لا يؤدي إلى حالة الاستقرار النفسي، والكاذب يبتعد عن الاطمئنان القلبي، ليعيش الاضطراب العقيدي...والكذب وان أدى إلى حالة النجاة مرة ومرتين أو أكثر فإنه سيؤدي إلى الهلاك الدائم في المرة الأخيرة، وإلى العذاب المهين في النتيجة .وفي هذا المجال قال الإمام علي (ع) :(الإيمان ان تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك!(1)
4 – (الكذب من أكبر الكبائر) ان في الآية السابقة دلالة ان الكذب من أكبر الكبائر، وأفحش الفواحش، والدليل عليه كلمة (إنما) في الآية في قوله تعالى :(إنما يفتري الكذب...) وهي تجيء عادة للحصر، روي ان النبي (ص) :(قيل له يا رسول الله : المؤمن يزني ؟ قال : قد يكون ذلك !، قيل : يا رسول الله المؤمن يسرق ؟ قال : قد يكون ذلك، قيل يا رسول الله المؤمن يكذب ؟ قال : لا (2) ثم قرأ قوله تعالى :(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله)
5 – الحركة الاجتماعية للإنسان الكاذب تناقض حركة المسيرة الإنسانية الطبيعية، فان الكذب لا يبقى خافياً ومستوراً، وان طال أمره نسبياً، وان الكاذب لا يلبث ان يأتي بما يكذبه، أو يتحدث بما يكشف القناع عن بطلان ما أخبر به أو ادعاه، وقد يبتلى الكذاب بأنواع العقاب، ومن أولياته ان يبتلى بآفة النسيان التي تكشف قبح سريرة الكاذب وفي هذا المجال قال الإمام الصادق (ع):(ان مما أعان الله على الكذابين النسيان)(3)
ومن هنا كانت للحق دولة، وان كانت للباطل جولة، وكانت القيمة للصدق الدائم، وان تعلقت الرغبة أحيانا بالكذب المؤقت والقرآن الكريم يحسم الأمر في قوله تعالى :(ان الله لا يهدي من هو كاذب كفار) سورة الزمر الآية (30) وقال تعالى :(ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) سورة المؤمن الآية 28، وقال عز من قائل :(ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) سورة النحل الآية 116، وقال :(بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) سورة ق الآية 5 ، (وذلك أنهم لما عدوا الحق كذباً بنوا على الباطل واعتمدوا عليه في حياتهم فوقعوا في نظام مختل يناقض بعض أجزائه بعضاً، ويدفع طرف منه طرفاً)(4). وقال الإمام علي (ع):(شر القول ما نقض بعضه بعضاً)(5) وقال (ع) أيضا :(الكذب زوال المنطق عن الوضع الإلهي)(6).
6 – الكاذب هو الخائن، بل الكاذب هو المرتكب لأكبر الخيانات، قال رسول الله (ص):(كبرت خيانة ان تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت به كاذب)(7)، وقال الإمام علي (ع):(أقل شيء الصدق والأمانة، أكثر شيء الكذب والخيانة)(8)، وقال رسول الله (ص):(يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب)(9).
7 – الكاذب بعيد عن الله عز وجل، ان الإنسان يعمل الأعمال الصالحة، التي تقربه إلى الله عز وجل، وان الكذب أسوأ رذيلة يتطبع عليها الإنسان، لأنها تجمع مساوئ كل الرذائل، ثم تبعد صاحبها عن الله سبحانه ، قال رسول الله(ص):(إذا كذب العبد كذبة تباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به)(10).
8 – الكاذب هو الجاهل وهو الناقص ان ممارسة الكذب والافتراء على الناس يحدثان غالباً بسبب شعور الإنسان الكاذب بحالة من حالات النقص الإنساني، فيحاول ان يسده، ويستر على نفسه، ويغطي عيوبها بممارسة الكذب، والتعود على فنونه وأساليبه، وكيفية الدخول والخروج منه بسلامة، بحيث تحصل الثقة لديه انه أذكى من الناس الآخرين، فتصيبه حالة من الغرور والإعجاب بالنفس، واستصغار الآخرين بحيث يصبح بهذا الأسلوب الملتوي كاذباً محترفاً، وهذا يدل على انه يعيش الجهل المركب، والنقص في الإدراك، والضعف في العقل، وفي هذا المجال قال الإمام الصادق (ع):(ان العاقل لا يكذب، وان كان فيه هواء)(11)، فيكون الكاذب جاهلاً لأنه يتبع هواه ويرتكب الشر، قال الإمام علي (ع):(شر القول الكذب)(12).
9 – الكاذب هو المنافق، ان الكذب حالة من حالات التلون، وحالة من ازدواج الشخصية، وهي حالة خطيرة جداً، لو انتشرت فإنها تبعث على التفكك، وتؤدي إلى الضعف والذلة والاستسلام، قال رسول الله(ص):(الكذب باب من أبواب النفاق)(13).
10 – الكذب أكبر الخبائث، ورأس كل مشكلة الكذب رذيلة جامعة لكل الرذائل والمساوئ والعيوب الأخرى، الصغيرة منها والكبيرة، وكانت جميع الرذائل والمساوئ والعيوب مجموعة في شجرة خبيثة تستقي من (ينبوع الكذب)، قال الإمام الحسن العسكري (ع):(جعلت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه الكذب)(14)، وروي ان رجلاً قال للنبي (ص):أنا يا رسول الله أستسر بخلال أربع (الزنا، شرب الخمر، السرقة، الكذب)، فآيتهن شئت تركتها لك! قال (ص): دع الكذب، فلما ولى، هم بالزنا فقال: يسألني فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وان أقررت حددت ـ بحدود الله ـ ثم هم بالسرقة، ثم بشرب الخمر، ففكر في مثل ذلك فرجع إليه فقال : قد أخذت علي السبيل كله، فقد تركتهن اجمع(15)، وقال رسول الله (ص): ان الكذب يهدي إلى الفجور وان الفجور يهدي إلى النار(16).
11 – ان الكذب على الناس يؤدي إلى الكذب على الله ورسوله والمؤمنين...وغيرهم، ان الذي يمتهن الكذب يقطع ما بينه وبينهم من أسباب العلاقة الصادقة، والصلة الوثيقة، وبهذه الرذيلة الخسيسة يضل نفسه أولا فأن الكذب على الناس من أجل ان يضلهم عن سبيل الحق، فانه سوف يقطع ما بينه وبينهم من أسباب العلاقة الصادقة، والصلة الوثيقة، وبهذه الرذيلة الخسيسة يضل نفسه أولاً،
ويضل غيره ثانياً عن سبيل الهدى والاستقامة، ويقطع عوامل الصلة والارتباط بالسماء، وإذا تفشى الكذب يعني أنه تفشى الظلم، لعلاقة الكذب بالظلم، والظلم عنوان الانحراف.
قال تعالى:(فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) سورة الأنعام الآية 144
12 – تنتشر الثقة في الأمة إذا انتشر الصدق، ويحصل التفكك الاجتماعي إذا انتشر الصدق، ويحصل التفكك الاجتماعي إذا انتشرت رذيلة الكذب فيهن والكاذب ينحر في جسم هذا المجتمع، ويفتت أواصر وروابط قوته، يعني يأتي الكاذب (بالموت) لهذا المجتمع، ويسرع إليه بالفناء. أن الكاذب يقوم بهذا العمل المشين لأنه يجد ذلة في نفسه، فيموت كل يوم بقدر حجم هذه الذلة التي يعاني منها، قال الإمام علي (ع) ان الكذاب والميت سواء، لأن فضيلة الحي على الميت الثقة به، فإذا لم يوثق بكلام فقد بطلت
حياته (17).
13 – الكاذب يضر أكثر مما ينفع، ولو حمل مؤهلات علمية جيدة، العلم الذي يتبناه المنحرفون، يكون وبالاً ليس على صاحبه فحسب وإنما يكون وبالاً وضرراً عاماً، فإذا استلم العالم (الكاذب) مسؤولية كبيرة، فإنه يضر بعلمه بواسطة كذبه، ويكون وبالاً على الأمة بقدر حجم مسؤولياته وإمكانيته، وفي هذا المجال الخطير قال الإمام علي (ع): (لا خير في علم الكذابين)(18).
الموارد التي يجوز فيها الكذب
الكلام المناسب وان كان كاذباً، إذا طرح في المكان المناسب، مع الطرح المناسب، للناس المناسبين، في الوقت المناسب، يكون هذا الكلام الكاذب المضر في مورد فيه غاية النفع، وفيه منتهى الفائدة، وله القدرة على تقويم الاعوجاج، والإصلاح بين الناس وحل بعض المشاكل المستعصية بينهم. لذلك حددت الشريعة الموارد التي يجوز فيها الكذب، وفي هذا المجال قال رسول الله (ص) :(ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً، أو نمى خيراً(19)، وقال(ص):(ان الله عز وجل أحب الكذب في الصلاح، وابغض الصدق في الفساد)(20).
وقال الإمام الصادق (ع):(الكذب مذموم إلا في أمرين : دفع شر الظلمة وإصلاح ذات البين )(21)، وقال (ع):(كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلا كذباً في ثلاثة رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقي هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاح ما بينهما، أو رجل وعد ؟أهله ـ زوجته ـ شيئاً وهو لا يريد ان يتم لها (22)، وقال المجلسي (رض): (اعلم ان مضمون الحديث متفق عليه بين الخاصة والعامة).
فقد روى الترمذي عن النبي (ص) : لا يحل الكذب إلا في ثلاثة : يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب في الإصلاح بين الناس(23).
مفهوم التورية في الإسلام
التورية :عمل يخالف الكذب، التورية محللة، والكذب محرم، والكذب مخالف للحقيقة بينما التورية عمل يطابقها ولكن قد يحصل في تفسيرها بعض الالتباس عند بعض الناس، وهذه بعض الآية من قصص القرآن الكريم والأحاديث التي توضح ذلك وتكشف عن اللبس فيه. قال تعالى :(فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) سورة الصافات الآية 88 ت 89
وقال أيضا :(قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون...) سورة الأنبياء الآية 62 ـ63 وقال أيضا:(ثم إذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون) سورة يوسف الآية 70 في كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري (رض) ينقل ما روي في الاحتجاج انه سئل الإمام الصادق (ع) عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم(ع) :(بل فعله كبيرهم...) ما كذب إبراهيم قيل : وكيف ذلك ؟ قال: إنما قال إبراهيم (ان كانوا ينطقون) أي ان نطقوا فكبيرهم فعل، وان لم ينطقون فلم يفعل كبيرهم شيئاً، فما نطقوا، وما كذب، وسئل عن قوله تعالى:(أيتها العير إنكم لسارقون) قال : إنهم سرقوا يوسف من أبيه، إلا ترى أنهم قالوا :(تفقد صواع الملك) ولم يقولوا سرقتهم صواع الملك .
وسئل عن قول الله عز وجل حكاية عن إبراهيم:(إني سقيم) قال :(ما كان إبراهيم سقيماً وما كذب، إنما عنى سقيماً في دينه أي مرتاداً)(24) .
وقال رسول الله (ص):(ان في المعاريض لمندوحة عن الكذب)(25).
وقال الإمام الصادق (ع):(أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، أن الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب)(27) .
وقال (ع):(لا يكون الرجل منكم فقهياً حتى يعرف معاريض كلامنا)(28).
استماع الكذب والموقف منه
ان الذي يستمع الكذب أي يصغي إليه، من دون ان يثبت موقفاً إصلاحياً ضده فموقفه هذا يعني انه تشجيع للكاذب على ممارسة كذبه، وان الذي يستمع إلى الكذب، ويصغي إلى قائله وهو يستطيع ان يشخص كلامه بدقة انه كذب يكون ممن ترتاح نفسه للباطل، وفي هذا المجال سئل الإمام الصادق (ع) عن القصاص وأصحاب المزاح والضحك أيحل الاستماع لهم؟
فقال : لا من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد اللهو ان كان الناطق عن إبليس فقد إبليس(29).
وقال الإمام علي (ع) ترفعوا من رفعته الدنيا، ولا تشيموا بأرقها، ولا تسمعوا ناطقها...فإن برقها خالب، ونطقها كاذب...(30).
وقال (ع):(لا تمكن الغواة من سمعك)(31).
 

1 | كوتر

الاحد 17 شباط 2013 06:59 م
نص جميل وشامل
 



ادخل الحروف والأرقام الموجودة في الصورة:
 
غير حساس لحالة الأحرف