Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2011/12/21

الأزمة الماليــة العالميـــة .. أسبابها .. وهل هي حقيقة ؟؟!!!

صورةالدكتور عبد الكريم خلف الحلفي

مما لا يخفى على احد إن الأزمة المالية العالمية ضربت مختلف دول العالم، ودفعت العديد من الدول الاقتصادية العظمى إلى إعلان دخولها مرحلة الركود الاقتصادي بشكل رسمي، فيما كشفت العديد من التقارير الصحفية عن عدد من الشخصيات الرئيسية المسببة للأزمة، ومعظمها أمريكية، كما أن من بينها الشعب الأمريكي، بمعنى أن نمط الحياة الأمريكي هو أحد مسببات الأزمة الاقتصادية العالمية.حيث بدأت أولى مظاهر الأزمة في شباط من عام 2007 عندما أعلن عن عدد من حالات الإفلاس في مؤسسات مالية متخصصة نتيجة زيادة عدم السداد لقروض الرهن العقاري وتهاوت عروش مالية كبرى عمرها أكثر من قرن من الزمن, والحلقة الأولى في سلسلة تهاوي هذه المؤسسات الكبرى كان إفلاس بنك ليمان بروذرز brothers وهو رابع أكبر بنك في الولايات المتحدة, تبعه تعثر شركة ميريل لينش Merillynch التي خسرت في عام واحد ما قيمته (23 ) مليار دولار, ثم تتابعت حلقات السلسلة في التفكك واحدة تلو الأخرى, وكان أهمها: "واشنطن ميوتشوال" أحد أكبر مصارف التوفير والقروض في الولايات المتحدة, بالإضافة إلى "فاني ماي" و "فريدي ماك" المختصتين بتمويل العقارات, وقد بلغت خسائر شركة" فاني ماي"، خلال الربع الأول من عام 2009م،(23) مليار دولار. لكن الطامة الكبرى كان في إفلاس أكبر شركة تأمين في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم وهي "AIG" دافعة معها قطاع شركات التأمين في العالم إلى الهبوط.
وقد تعدت الأزمة حدود الولايات المتحدة لتضرب مؤسسات مالية ضخمة في أوروبا مثل: مصرف "نورثن روك" في بريطانيا للتسليف العقاري، والذي قامت الحكومة بتأميمه ، وشركة "غليتنير" المالية في أيسلندا, وبنك "هيبو ريل إيستيت" في ألمانيا، والحقيقة أن الأزمة مازالت تطيح بالعديد من المؤسسات المالية وتمني أخرى بخسائر كبيرة كل يوم دون أن يتضح لها نهاية.
وفي روسيا تقارير وتنبؤات ترجع إلى العشرينيات من القرن العشرين، لعل أهمها التصور الذي طرحه الخبير الاقتصادي الروسي، أندريه كوبياكوف، والذي توقع خلال وقوع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، اذ يعتبر كوبياكوف من الخبراء القلائل الذين تكهنوا بوقوع هذه الأزمة منذ سنوات، وفقاً لوكالة الأنباء الروسية "نوفوستي" وقد استندت معظم التنبؤات إلى التصور الذي وضعه العالم الروسي نيكولاي كوندراتييف في عشرينيات من القرن العشرين ، وفي تصور كوندراتييف أن النظام الرأسمالي يتأرجح بين الصعود والهبوط في كل مرحلة تدوم خمسين عاما ، وكتب كوندراتييف في عام 1926 أن العالم يسير إلى هبوط جديد، وسرعان ما واجه العالم باستثناء الاتحاد السوفيتي آنذاك ، حالة من الكساد الاقتصادي انطلقت من أمريكا.
واستمرت الأسواق المالية في أنحاء العالم بالتراجعات الحادة, وأعلنت المزيد من المصارف والمؤسسات المالية عن إفلاسها, وبدت حدود الأزمة غير معلومة بعد أن بدأت بضرب قطاع الصناعة، وخاصة صناعة السيارات نتيجة أزمة نقص السيولة حيث بلغت خسائر شركة جنرال موتورز أكبر شركة للسيارات في العالم في العام 2008 بحدود (31) مليار دولار، وبلغت خسائر شركة تويوتا خلال الربع الأول من عام 2009م، (7) مليار دولار بسبب تراجع مبيعاتها، والتأثر بأزمة السيولة العالمية، وانخفاض الطلب العالمي على السيارات.وبعد ذلك تحولت الأزمة إلى أزمة اقتصادية عالمية، ودخل الاقتصاد العالمي في كساد يوصف بأنه الأسوأ من نوعه منذ أزمة الكساد الكبير عام 1929.
ويصف الأزمة المالية الباحث الفرنسي الشاب طوماس غينولي حيث لخّص فعل الأزمة المالية كمفعول الدومينو، إذ يقول تخيلوا أنّ هناك صفين من الدومينو تمّ وضعهما إلى جانب بعضهما البعض، وهناك صفّ آخر من الدومينو تمّ وضعه خلفهما :ـ الصفان الأماميان يقعان، وكردّ فعل تتابعي يسقط البقية، إذ في الولايات المتحدة، تقوم مؤسسات إقراض بتمويل أصول وعقارات وممتلكات وبضائع لأناس يكون واضحا من الأول أنهم ليسوا قادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية إذ ينبغي على هؤلاء خلال السنتين الأوليين دفع فوائد تلك القروض، وفي السنة الثالثة يقومون بدفع الدين وفوائده ،ولكن هناك الكثير من هؤلاء الذين لا يقدرون على الدفع، وهو ما يعني أنّ قيمة تلك القروض قد ضعفت، وهذا هو أوّل دومينو في الصفين الأولين ، في الولايات المتحدة أيضا، هناك مؤسسات إقراض توافق على ديون تمنح بموجبها أموالا لأناس يملكون عقاّرا يتمّ استخدامه ككفالة أو ضمانة للقرض ، ولكن الطلب على العقارات بدأ في التضاؤل إلى أن وصل إلى حدّ التجمّد حيث ليس هناك طلب أصلا على شراء العقارات ، وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى هبوط أسعار العقارات، وهو ما يدفع مؤسسات الإقراض إلى طلب السيولة والتعويض من أولئك الأشخاص الذين لا يملكون بالضرورة مالا ، ولذلك تبدأ تلك المؤسسات في المعاناة من أجل الحفاظ على قيمة تلك القروض والديون، وهو ما يضعف من قيمتها في السوق والتعاملات المالية، وهذا هو الدومينو الثاني ، وهذه المؤسسات المالية، قامت بتحويل تلك القروض إلى "أصول" أي أنها حولتها إلى منتوج جديد يمكن بيعه وشراءه في البورصة، أي مثل أن تكون تدين لشخص بالمال ويقوم هذا الشخص بيع دينك لشخص آخر ، ونظرا لكون "الأرباح الموعودة" من هذه العملية كانت مرتفعة، فقد أقدمت صناديق الاستثمار على شراء هذه "الأصول" في البورصة ،ولكن، مع بدء هذه الأصول في فقدان قيمتها، أرادت صناديق الاستثمار التخلص منها ببيعها ، ولكن ليس هناك من مشترين راغبين في الشراء بأسعار متدنية، وهذا هو الدومينو الثالث ، ولتجنب مشاكل انعدام السيولة، تقوم صناديق الاستثمار هذه ببيع أصول أخرى تملكها في البورصة ولا علاقة لها بهذه القروض، وبفعل ذلك، ولاسيما التسرّع، تهبط قيمة هذه الأصول، ولكن زيادة على ذلك، فإنّ البنوك التي فقدت الكثير من الأموال وتعاني من نقص السيولة، ستحاول الحصول على الأموال بواسطة الاقتراض من بنوك أخرى، وهو أمر يومي في الأسواق ويعرف بالسوق بين البنوك ، ولكن ولأنّ كلّ بنك يجهل حقيقة وعمق المشاكل المالية التي يعاني منها البنك الآخر، فإنّه يرفض بالتالي إقراضه، وذلك يعني تزايد عدد البنوك التي تعاني من مشاكل سيولة حتى لو كان وضعها جيدا وغير مشمولة بالأزمة: وهذا هو الدومينو الرابع، وبطبيعة الحال، إذا كان هناك عدد كبير من البنوك تعاني من مشاكل السيولة فإنّ النشاط المالي ككلّ يتأثر، ولذلك فإنّ البنوك المركزية (الأمريكي والأوروبية) تقرض تلك البنوك أموالا، والهدف هو الحفاظ على توازن على المدى المتوسّط: وهذا هو الدومينو الخامس ، ولأنّ الكثير من أصول البورصة والأسهم تنخفض، فإنهم يبيعونها سواء للحصول على السيولة أو بفعل الذعر من الوضع الذي تمر به السوق ، ويؤدي ذلك إلى مزيد من الهبوط في قيمة تلك الأصول: وهذا هو الدومينو السادس ، وهذا ما يفسّر لماذا تهبط قيمة الأصول والأسهم ولماذا تعاني البنوك من السيولة ولماذا يبيع الكثير من المتعاملين في البورصة كيفما اتفق ومن دون تفكير.
وأوروبيا تم مواجهة الأزمة بحذر كبير فقال وزير المالية البريطاني أليستر دارلنغ تعليقا عليها إنه ينبغي على الحكومات والأجهزة الرقابية والبنوك المركزية، التعاون لمنح النظام المالي استقرارا وسط الاضطراب المستمر بالأسواق بينما طالب وزير المالية الألماني بير شتاينبروك عدم التهويل والمبالغة فيما يتعلق بالوضع في أسواق المال، مؤكدا في الوقت نفسه على أن الأمر يتعلق بأكبر أزمة مالية منذ عشرات السنين، غير أنه استدرك بالقول إن هذا لا يعني تطبيق نظرية الدومينو على المؤسسات المالية في أوروبا ولا يعني بالطبع إغلاق بنوك في أوروبا.
وبغض النظر عن كل ما يقال فإننا نعتقد إن الأزمة المالية كانت حقيقة وإنها على قدر ما تضمنته من ماسي وتأثيراتها التي طالت معظم اقتصاديات العالم فمنها من تأثر بشكل مباشر وانهار بسرعة كما حدث لكبريات الشركات العالمية التي أعلنت استسلامها للازمة وأشهرت إفلاسها ومنها من طالها تأثيرها بصورة غير مباشرة حيث الركود الاقتصادي ،فضلا عن العديد من الدول لاسيما الأوربية منها كاليونان وايطاليا واسبانيا وغيرها من الدول التي لازالت تعاني اقتصادياتها و لحد الآن، إلا أن المهم في الأمر كله هو بيان أهم أسباب الأزمة التي أشعلت فتيلها وانتشر خطر تأثيرها الذي امتد الى الآخرين ، فقد اجمع معظم المختصين إلى أن أهم سبب كان هو الفساد الإداري والمالي الذي طال تقديرات المساكن التي تقوم البنوك بالإقراض على ضوئها حيث ثبت وجود مخمنين أمريكان يرفعون تقديرات المساكن بناءا على طلب أصحابها بهدف الحصول على مبالغ قروض تزيد على قيمة العقار الحقيقية إلى الضعف والى الضعفين الذي شجع العديد من المقترضين الامتناع عن تسديد القروض حتى وان تطلب الأمر بيع منازلهم من قبل البنوك والتي لا تكفي لسداد القروض بسبب المبالغة بتثمين وتقييم المساكن بغير حقيقتها، وهذا يدعو إلى إن تتبنى المصارف المختصة إدارة وسياسة كفوءة وفعالة في مجال الإقراض بضمان العقار ، إذ لا يكفي وضع شارة الحجز على العقار كضمان لسداد القرض وإنما يجب اعتماد سياسة أكثر صرامة وحزم في مجال اعتماد تقييمات العقار واعتماد إجراءات إدارية رادعة للوقاية من الاستغلال للقضاء والحد من حالات الفساد الإداري والمالي.