Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2012/03/20

السياسات الحكومية واثرها على التغيير المكاني للسكان في العراق للفترة من عام1957 – عام 1977

أ.د احمد جابر الصعب
مدير مركز غرب العراق للدراسات المستقبلية
المقدمة
تحتل الدراسات السكانية أهمية بالغة كفرع من فروع العلوم الاجتماعية التي تهتم بالسكان، فمنذ فجر البشرية الأول و الجماعات البشرية يمتلكها استفهام كبير يحدوها لمعرفة أسرار الخليقة ’ حيث بدأت تتشكل بواكير المعرفة الإنسانية الأولى فيما يتصل بال بالطبيعة وما حولها وما يتصل بذاتها هي كمجتمع تشكلت معالمه بطريقة ما.
ومن هنا نشأ الاهتمام بهذا الجانب وتطور هذا الاهتمام بقدر أهمية السكان في تطويع البيئة وارتقائهم بتنظيماتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ولا غرابة ان يفرد في العلوم الاجتماعية حقلاً يهتم بالدراسات السكانية التي أصبحت مظهراً مهماً من مظاهر رقي وتقدم الأمم، فالدراسات السكانية توفر قدراً مهماً من المعرفة بحجم السكان وتصنيفهم وحركتهم المكانية،ومن ثم اثر العوامل المحددة لنموهم ومدى تأثر وتأثير ذلك على الارتقاء بمستوى السكان الوظيفي من خلال علاقتهم بالموارد الاقتصادية المتاحة لتوفير أفضل قدر ممكن من التوازن بين السكان والبيئة.
واذا كانت الدراسات السكانية تهتم بجوانب عديدة ، فان من بين هذه الجوانب تحتل مسألة الانتقال الجغرافي او المكاني للسكان أهمية متميزة لما لذلك من تأثير على تركيب السكان ونوعهم ومستوى الإعالة التي تحتمله أقاليم سكان غيرها،
بالإضافة إلى متابعة حركة السكان او انتقالهم المكاني لما له من تأثير بالغ في تقرير علاقة السكان بالمكان
وفي هذا السياق ، يأتي موضوع هذه الدراسة .السياسات الحكومية واثرها على التغير المكاني للسكان في العراق للفترة من 1957-1977.
دوافع الحركة السكانية في العراق
لا شك في إن دراسة دوافع ومسببات الهجرة أيا كان وجهتها، داخلية أم خارجية، إقليمية أم دولية، وحسب فتراتها الزمنية هي من المسائل المعقدة، والتي تحتاج إلى متابعة ميدانية بين فترة وأخرى، هذا إضافة إلى ضرورة توافر الإحصاءات السكانية الدورية، وبغيابها فان دراسات الهجرة تصبح ضربا من الاستنباط بعيدة كل البعد عن حقيقة المسارات الفعلية لحركة الهجرة(32).
فالهجرة وكما هو معلوم، ظاهرة اجتماعية واقتصادية ونفسية معقدة تساهم وتشترك فيها مجموعة عوامل وأسباب، تدفع بالسكان إلى ترك بيوتهم وكسر صلاتهم بأهلهم وذويهم وإلى الانتقال من
محل إقامة لآخر، فهي كما يعبر عنها بوكو (Bogu)(33)، استجابة الأفراد للقوى الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية للبيئة. ان ظاهرة كهذه لا يمكن إرجاعها إلى عامل أو سبب واحد؛ لان بين هذه الأسباب علاقات مركبة بحيث يتعذر –لغرض التأكد من العوامل المسببة- إبقاء بعض تلك العوامل ثابتة وأخرى متغيرة.
ولا بد من القول بان هنالك مظهران لدوافع الهجرة، أولهما: ايجابي، وثانيهما: سلبي، فقد تكون الهجرة بسبب البحث عن فرص للعمل ومستوى معاشي أفضل، وفي هذه الحالة فان مجتمع الوصول يمثل قوة جاذبة للمهاجر، وقد تحدث الهجرة للتخلص من أوضاع اجتماعية واقتصادية غير مرغوب
فيها، وهذه الأوضاع تمثل قوة طاردة للمهاجر، إلا إن حجم الهجرة من مكان لآخر لا يتأثر بعوامل الدفع والجذب فحسب، وإنما يتأثر بما يسمى بالفرص المتداخلة بين المكانين(34).
وبهذا الصدد يذكر (Bogue) في تصنيفه لدوافع الهجرة، إن هناك ست عوامل دافعة وست عوامل أخرى جاذبة .
وبالقدر الذي يحظى به مثل هذا التقرير من قبول في الأوساط الأكاديمية، إلا انه يمكن الإشارة إلى العديد من العوامل والمسببات الأخرى، ولعلنا أكثر ميلا إلى تصنيف هذه العوامل والأسباب إلى دوافع جاذبة وأخرى طاردة.
العوامل الطاردة:
1- تناقص الموارد الطبيعية (زراعة، تعدين،......).
2- فقدان العمل.
3- الاضطهاد (ديني، سياسي).
4- النفور من المجتمع.
5- الانفصال عن مجتمع الأصل بسبب الزواج.
6- الكوارث الطبيعية.
العوامل الجاذبة:
1- فرص أفضل للعمل
2- الحصول على دخل أفضل
3- تعليم أفضل وجامعة
4- ظروف معيشية وبيئية أفضل (مسكن، مناخ، مدارس)
5- الالتحاق بالعائل او الزوج
6- عوامل الإغراء نتيجة للتباين الحضاري والاقتصادي.
حيث تأكد ذلك سواء في العراق أو في العالم بان المجتمعات والأفراد المهاجرين يتأثرون بشكل واسع بالعوامل الطاردة والجاذبة (حيث انه كلما تباينت المجالات والفروع بين المناطق المهاجر منها واليها، كلما ازدادت وتعجلت حركة الهجرة والنزوح لاغتنام الفرص المتاحة)، هذا إضافة إلى تميز الهجرة الداخلية في القطر العراقي بأنها ذات طابع فريد من حيث التأثيرات القبلية والعائلية والرحمية في التشجيع والحث على الهجرة من قبل رواد المهاجرين إلى أقربائهم الريفيين، حيث اتسع حجم الهجرة واتخذت طابع التكتلات القبلية والقرابية في المراكز الحضرية بهدف تحقيق هياكل اجتماعية ظاهرها القوة والحماية الاجتماعية ولكن هدفها النهائي الدفاع عن المصالح الاقتصادية(36).
وللهجرة في العراق كما ذكرنا أشكال متعددة، وهذا يعني انها تحدث بين بيئات تقع ضمن وحدة ادارية أو عدة وحدات ولكل منها عواملها، وأسبابها(37).
هذا ما يدفعنا، كما اشرنا إلى تبني تصنيف كهذا واعتماده، فعامل الطرد من منطقة ما لا يعتبر بمفرده كافيا لثارة نزعة الهجرة،إذ لا بد من توافر ما يجذب المهاجرين إلى منطقة اخرى وقد يكون عامل الجذب هذا حقيقيا أو تخيليا(38).
- العوامل والمسببات الجاذبة للسكان:
لابد من التأكيد بهذا الصدد على ان هناك مجموعة عوامل تتظافر لتشكل بمجموعها قوة ضغط تدفع بالأفراد والجماعات للتخلي عن منطقة الاصل والنزوح عنها إلى منطقة الوصول.
ان عملية الحركة هذه أو الانتقال هي بالنتيجة محصلة لقوتين ضاغطتين باتجاهين متعارضين، الاولى: والمتمثلة بقوة الجذب نحو المناطق الجديدة بكل ما تتضمنه من مغريات يصبو اليها المهاجر، والثانية: تتمثل بكل الظروف التي عليها المهاجر قبل هجرته، والهجرة هنا هي نتيجة للمغريات التي يصبو اليها المهاجر وبما يضعف من القوة الثانية بحيث تدفع به للتخلي عن منطقة الاصل.
اذا ما قررنا هذه الحقيقة كواقع حال، فيجب ان لا نستبعد مطلقا ما يمكن ان نسميه بالنزوح أو الهجرة القسرية والتي عادة ما تحيطها ظروف واسباب قسرية سياسية واجتماعية ودينية أو اخلاقية . . . الخ، وباستثناء مثل هذا النوع من الهجرات، نستطيع ان نجمل عوامل الجذب للمهاجرين بما يلي:
عوامل الجذب الاقتصادية:
تلعب العوامل الاقتصادية دورا بارزا من بين العوامل المسبة للهجرة؛ بحيث تدفع هذه العوامل بالافراد والجماعات للهجرة إلى حيث ما يعتقدوا انه يوفر لهم فرصةو افضل للكسب ورفع مستواهم المعاشي، ولا بد من الاشارة هنا إلى ما يمكن ان تخلقه السياسات الحكومية في مجال التنمية الاقتصادية من فرص جديدة ومتجددة وعلى وجه التحديد عند مستويات الاستثمار الجديدة مما يحدث فرص تشغيل متاحة تدفع بالافراد للبحث عنها، ويبقى الظرف الموضوعي المهم بهذا الصدد، وهو عندما لا تتبنى الدولة سياسة اقتصادية متوازنة، الامر الذي ينعكس على مهمات التنمية الجهوية "الاقليمية" مما يخلق
مستويات متفاوتة من حصة اقاليم البلد الواحد من جهود التنمية مما يجعل بالنتيجة خلق حوافز للهجرة ترتبط بالفرص الجديدة هذه.
ولا بد من التاكيد بان هناك صلة وثيقة بين حجم الاستثمارات الوطنية وبين فرص التشغيل وبالتالي على مدى التأثير على حركة السكان(39).
ان تطور حجم الانفاق الاستثماري الحكومي والخاص في العراق خاصة خلال خطتي التنمية القومية 1970- 1974، 1976- 1980، وما ترتب على ذلك من انفاق غير اعتيادي بهذا المجال، بالاضافة إلى التطور الواسع في الميزانية الاعتيادية، سمح للطلب المحلي على قوى العمل النشيطة بالانتقال وبشكل كبير نحو الزيادة، وبالتاكيد فان هذا الطلب لقوى العمل في المدن كان على حساب العاملين في القطاع الزراعي خلال مراحل الهجرة، حيث بينت الاعداد الكبيرة من المهاجرين بان المهن الجديدة التي حصلوا عليها بعد الهجرة هي افضل بكثير من المهن الزراعية سواء من حيث المردود الاقتصادي أو الاجتماعي، بالاضافة إلى توفر فرص متعددة للتشغيل في المجالات المتعددة المتوفرة في المراكز الحضرية حيث انعكس ذلك مثلا بما يلي(40):
1- انخفاض معدلات الغلة والناتج، نتيجة تدهور خصوبة الارض والذي جعل العمل الزراعي في بعض مناطق القطر غير مربح ويمثل الحد الادنى لمردود جهد العمل المبذول مقارنة بالمهن التي باشر المهاجر في العمل من خلالها بعد الهجرة في المراكز الحضرية.
2- عدم وجود سياسة سعرية متوازنة للسلع والمنتجات المختلفة افقد اجمالي المردود للسلع الزراعية قوتها الشرائية.
يؤكد هذا الاتجاه ما ذهب اليه استطلاع وزارة التخطيط حول مسببات الهجرة اجري في عام 1983 والذي يؤكد اسبقية واهمية العامل الاقتصادي والذي هو من اكثر العوامل التي حفزت المهاجرين على ترك الارض وتغيير المهنة الزراعية.
بين الاستطلاع الخاص بالمهاجرين بان اوجه المفاضلة في قرار ترك الارض ينحصر بشكل رئيسي في المردود الاقتصادي الافضل للمهاجرين وافراد اسرهم وبنسبة 65% وكما هو مبين في
الجدول رقم (9) والذي يبدو من نتائجه بالاضافة إلى ما ورد اعلاه ان عدد المهاجرين الذي تركوا الريف بعد عام 1975 كانوا اكثر تاثرا بالمردود الاقتصادي الافضل في المدينة عنه في الريف وبنسبة تصل إلى 74% من اجمالي هذه الشريحة.
وبهذا الصدد واستكمالا لما اشرنا اليه من التأكيد على اثر نظام الملكية الزراعية في الريف ونظام الزراعة والتي تعتبر من العوامل التي تدفع بالفلاحين إلى الهجرة وخاصة في ظل تخلف الانتاجية الزراعية وسيادة العلاقات الإقطاعية وشبه الاقطاعية (41) وبالتالي انخفاض عوائد الفلاح من المحاصيل الزراعية مما يدفع به للهجرة صوب المراكز الحضرية .
ب. عوامل الجذب الاجتماعية والثقافية:
تلعب عوامل الجذب الاجتماعية والثقافية هي الاخرى دورا بالغ الاهمية في حركة الهجرة الداخلية في العراق حيث توفر المراكآ الحضرية قدرا محددا من الخدمات الاجتماعية والثقافية وتكون محط انظار الشباب على وجه الخصوص، ويعتمد مستوى هذه الخدمات وطبيعتها على مدى التطور الحضري الذي تلعبه هذه المراكز الحضرية، وتلعب خدمات التعليم وعلى وجه التحديد التعليم العالي اثرا بالغا في الانتقال من المراكز الريفية أو شبه الحضرية إلى المراكز التي تتوفر فيها مثل هذه الخدمة، اضافة إلى ما توفره المراكز الحضرية من خدمات اخرى تشكل دافعا للانتقال كالنوادي ودور العرض والمسارح والملاعب والتي تفتقر اليها الارياف والمراكز شبه الحضرية.
وقد عمدت بعض الدول إلى التخطيط لتخطي هذه الظاهرة بتوفير بعض من هذه الخدمات في المناطق والاقاليم الطاردة للسكان، وقد نجح البعض منها(42)، وسوف نركز بهذا الصدد على بعض العوامل من بين العوامل العديدة وكما يلي:
1-نظام الاقطاع وتدهور العلاقات الاجتماعية:
تعتبر المجتمعات الزراعية العربية ومنها العراق بالاصل ذات اصول قبلية تمارس المشاعية الجماعية في الانتاج الرعوي أو الزراعة المتنقلة، ولكن مجر الاستقرار جعل من الشيوخ اقطاعيين عمليا وقد تثبت ملكياتهم للارض قانونا في عهود مختلفة وخصوصا في عهد الانتداب البريطاني للعراق، حيث استخدم الشيوخ نفوذهم السياسي للحصول على حقوق قانونية في الارض التي كان قسم كبير منها حسب العرف والعادات ملكا للعشيرة يزرعونها بصورة جماعية، ثم جاءت القوانين في عهد الحكم الوطني داعمة للنظام الاقطاعي وتثبيته بل وزيادة سطوته ونفوذه، وتحول الشيخ في كثير من المناطق من رئيس متضامن مع الافراد يقوم بدور المشرف على ارض العشيرة المزروع بشكل قانوني إلى مالك لتلك الارض، والفلاحون عمال بين يديه يمارس الارهاب والتعسف على فلاحيه، واصبح يبيح
لنفسه حق الاستغناء عن بعضهم لأتفه الأسباب ويعيش معظم ايام السنة في المدن تاركا شؤون الزراعة للوكلاء، يظهر ذلك بشكل واضح في محافظة ميسان حيث ان للشيخ السيطرة الكاملة على وكلاءه وفلاحيه؛ فهو يمول الملتزمين الثانويين وله ان يطرد اي فرد لا يرغب فيه، وقد ادى هذا الوضع إلى تحلل العلاقات الاجتماعية القائمة على الإخلاص لافراد القبيلة والصلة الروحانية التي تربط المواطنين برئيسهم، مما جعل من السهل عليه التفريط في تلك العلاقات والتخلي عنها، حيث اصبحت الرغبة في الهروب والتحرر من الظلم أقوى.
وهكذا بدا المزارعون يهربون من ماساتهم في الريف تاركين ارضهم ومزارعهم متجهين إلى المدن بحثا عن عمل ومعيشة افضل، اما في المنطقة الشمالية فالوحدة الاجتماعية بصورة عامة هي القرية التي غالبا ما يسكنها فلاحون مالكون للارض، الا ان ملكية الارض في عدد غير قليل من القرى انتقلت مع الزمن إلى ملاكين من سكان المدن بحيل شرعية يتعلق معظمها بطريقة تسجيل الاراضي واغراق الفلاحين بالديون والاستيلاء على ارضه اخيرا، ومع هذا فقد بقيتن الملكية الصغيرة سائدة في المنطقة الجبلية وفي بعض القرى، وبقي الفلاح مستقلا هناك، وتكون الزعامة بيد المختار وكثيرا ما استغل سلطاته للاستيلاء على ارض الفلاح الصغيرة وبالتالي على القرية نفسها.
وقد سادت هذه الطريقة كثيرا في العهد العثماني حتى اصبح الفلاح بعدها عاملا مأجورا ليس هناك ما يربطه بالارض أو مالكها.
ان ظروفا كهذه والتي نشأت بسبب العلاقات الاقطاعية أو شبه الاقطاعية المتخلفة وما نشأ عنها من تعسف بحق الفلاح، دفعت باعداد غفيرة للهجرة إلى مراكز حضرية اخرى أو انها قد دفعت بالبعض إلى تغيير مهنهم كليا والانتقال إلى مهن خدمية في المراكز الحضرية.
2-ظروف السكن:
يعتبر عامل السكن من العوامل الاجتماعية الدافعة باتجاه الهجرة، حيث يتميز السكن الريفي في العراق بكونه متخلف إلى درجة كبيرة، اضافة إلى عدم وجود اسس لتطوير الارياف بسبب عدم وجود سياسة سكانية على الاطلاق مما ادى إلى تدهور وضعية الدور المشيدة في الارياف وعدم الاهتمام بتطويرها لانعدام الخدمات والمرافق العامة من ناحية وعدم التطلع إلى تحسينها من ناحية اخرى، حيث يلاحظ ان قسم منهم يعيش في دور ذات غرفة واحدة والقسم الآخر في دور ذات غرفتين، وكذلك قلة المرافق الصحية والمياه الصحية، الامر الذي شكل عاملا مضافا يدفع بالهجرة، ومن المنطقي التأكيد على ان المهاجرين لا يعني بالضرورة انهم قد حصلوا أو سوف يحصلون على سكن أفضل في المناطق الجديدة المهاجر اليها في أغلب الاحيان.
3-عوامل اجتماعية اخرى:
يلاحظ عمليا بان تقدم طرق ووسائل النقل قد ساعدت إلى حد كبير على زيادة معدلات الهجرة إلى المدن وخاصة الاماكن المقدسة، وقد ساعد هذا الاتصال على كسر الحواجز بين المجتمعات الريفية والمدنية؛ حيث بدأ سكان الارياف يشعرون بمدى التباين المعاشي والاجتماعي بينهم وبين سكان الحضر؛ مما يكون حافزا مشجعا لهم في الهجرة إلى هذه المدن، وقد كان لتشكيل الجيش الذي اقيم اساسا على ابناء الريف، اثر في تزايد حركة الهجرة، إذ ان معظم افراد الجيش والشرطة يعمدون إلى جذب عائلاتهم خلال هذه الخدمة أو بعد انتهائها، فهم من طلائع المهاجرين وان اخبار نجاح حياتهم الجديدة- بغض النظر عن مدى صحتها- كانت تنتقل بسهولة إلى سكان قراهم أو مناطقهم التي هاجروا منها، والاقارب يلعبون دورا مهما في تهيئة فرص عيش ثم فرص عمل امام المهاجر القادم إلى المدينة مما ساعد على هجرة الكثير منهم وهم مطمأنين إلى ان هناك من يتولى امر معيشتهم والبحث لهم عن عمل، وكذلك فان النزعات القبلية كان لها دور في الهجرة إلى مناطق اخرى(43).
ج. العلاقات القبلية والإقليمية:
لقد اثبتت الدراسات المختلفة التي تهتم بعلاقة الهجرة بالصفات الاثنوغرافية للسكان بان هناك علاقة وثيقة جدا بين حجم الهجرة وتشابه السكان في تلك الصفات، اي ان المهاجر يميل إلى الهجرة إلى المناطق التي يتكلم سكانها لغته، وكذلك يميل إلى المنطقة التي يدين سكانها بديانته أو مذهبه، كذلك إلى المناطق التي يماثل انحداره الرسي لكي لا يتعرض إلى مشاكل متوقعة كالتعصب العنصري، أو الديني، أو غيرهما(44).
ويصدق هذا المعنى إلى حد بعيد على طبيعة الهجرة الداخلية في العراق؛ حيث يلاحظ ان سكان المنطقة الجنوبية في العراق تنتهي هجرتهم إلى مناطق الوصول في المنطقة الوسطى في الاغلب، حيث لا يرجح انتقالهم إلى المناطق الشمالية مثلا، وكذلك الحال بالنسبة لمهاجري المنطقة الشمالية، الا ان ذلك لا يعني عدم تجاوز هذه الاحتمالات عندما تكون دوافع ولوج مجتمع جديد اقوى من تلك الاعتبارات نفسها.
د. المسافة وعلاقتها بحجم الهجرة:
ان للمسافة علاقة وثيقة بحجم الهجرة؛ حيث ان المهاجر يميل إلى الهجرة إلى المناطق القريبة من مكان سكنه الاصلي، وكلما تيسرت له سبل السفر المريحة والرخيصة يهاجر إلى مناطق ابعد(45).
وتلعب المسافة دورا كبيرا في الهجرات الداخلية والخارجية على السواء ولكن هذا العامل تتضاءل اهميته بتقدم وسائل النقل والمواصلات ورخص اسعارها بالنسبة لمستوى المعيشة(46).
- مستقبل حركة الهجرة في ضوء الدوافع المستجدة:
ان ما تناولناه فيما سبق قد وضح دور العوامل الكامنة وراء ظاهرة الهجرة الداخلية في العراق والتي تمتلك الحضور الدائم في سيادة الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية السابقة، وهي انعكاس واضح لهذه العوامل. ولا بد بهذا الصدد من القول ان عقد الثمانينات والذي شهد منذ مطلعه الحرب العراقي- الايرانية المفروضة فد بين حقائق جديدة ربما سيكون لها دور بارز في قرار الهجرة في المستقبل، بعضها ذات طابع ايجابي جدا وبعضها سلبي ويحتاج إلى معالجة فعالة.
ويؤكد المختصون بهذا الصدد على بعض الأمور والحقائق التالية:
1- ان خطط التنمية القومية اهتمت بتطوير الجانب الكمي للانتاج الزراعي، ولكنها كانت محدودة جدا في اهتمامها بالبرامج التنموية المتكاملة والتي تأخذ بنظر الاعتبار دعم انشاء الدور والقرى الفلاحية العصرية وكذلك انشاء الطرق الريفية المعبدة وتوفير الخدمات ذات النوعية الجيدة والمستوى الذي هو عليه في المناطق الحضرية كالشبكات الكهربائية الجيدة وشبكات ماء الشرب ذات النوعية الجيدة والخدمات الصحية وغيرها، وهي عوامل جذب تساعد المزارعين اذا ما نفذت على التوطن وعدم النزوح.
2- ان التوسع في قطاعي الخدمات والبناء سمح للقوى العاملة غير الماهرة في الريف (الهامشية منها) للعمل فيها بدلا من العمل الزراعي، كما ان انتشار اعمال المقاولات في المناطق القريبة من الريف جذب هو الآخر اعداد كبيرة من الريفيين للعمل خارج اطار القطاع الزراعي دون حدوث انتقال في المهنة مما احدث ارباكا واسعا في خطط الانتاج الزراعي.
أما فيما يتعلق بالعوامل الطاردة للمهاجرين فهي تتمثل بما يلي:
أ. العوامل الطاردة الاقتصادية:
ويتمثل ابرز هذه العوامل بما يلي:
1- تدهور خصوبة الاراضي الزراعية وانتشار الاملاح مما ادى إلى عدم جدواها اقتصاديا.
2- مشاكل المياه وشحتها والتي انحصرت بشكل مركز بعدم انتظام وكفاية الحصة المائية في المشاريع الاروائية وخاصة للمزارعين أصحاب الحيازات الواقعة في مؤخرة جداول الري الفرعية (بزايز).
3-وضع المزارع المالي في مراحل معينة جعلته يبحث عن عمل افضل.
4-ضعف المتراكم الرأسمالي الذي يمتلكه المزارع في المناطق الريفية والذي يساعد على ترك الريف(48).
ب. عوامل الطرد الاجتماعية:
تنحصر بعامل تأثير العلاقات العائلية والقرابية بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية المتعددة داخل القرية بحكم صغر الوحدة السكنية (49).
ج. عوامل الطرد الحضارية والثقافية:
إن تلك العوامل ناجمة عن محدودية النشاطات الثقافية والمراكز الحضارية التي هي واسعة في مراكز المدن، وبالرغم من محدودية تأثيرها على السكان إلا أنها لا زالت تمثل إحدى العوامل الأساسية لكونها عنصر مهم في بناء الشخصية الاجتماعية في المجتمعات المتطورة(50).
وعموما، فان للعوامل الاقتصادية دور واضح في قرار الهجرة العائلية أو الفردية خلال المسار التاريخي لمراحلها في الفترات التي سبقت الحرب، وان الدخول المتأتية من النشاطات الاقتصادية غير الزراعية كانت تمثل العنصر الأساسي في هذا القرار(51)
التوصيات والمقترحات
ان تحليل معطيات التغير المكاني لسكان العراق للفترة (1957- 1977) وما اوردناه فيما تقدم من نتائج ترتبط بهذا الواقع، تشجع الباحث على اقتراح بعض التوصيات والتي يأمل ان تشكل حلول متواضعة تسهم ولو جزئيا في حل مشكلة كبيرة او تكاد ان تكون مستعصية، تتطلب تظافر الجهود الاكاديمية (نظرية وتطبيقية) مجتمعة، وتتلخص هذه التوصيات المقترحات فيما نراه ضروريا على مستويين هما:
1- التوصيات والمقترحات الخاصة:
تلعب العوامل الاقتصادية دورا مؤثرا في الحركة المكانية للسكان وعبر مناطق القطر المختلفة للبحث عن فرص أوفر حظا لتحسين مستوى الدخل وما يتصل بذلك من تغير للمهن التي ترتبط باعادة ترتيب الموقف من السلم الاجتماعي، الامر الذي يقتضي ان يقتضي ان يؤخذ بنظر الاعتبار ما يلي:
أ‌.اعادة جدولة الاستثمارات في المجالين الزراعي والصناعي وفق خطة للتنمية الاقليمية تاخذ في الاعتبار امكانات الاستثمار في المناطق الاقل نموا والاكثر تخلفا
والتي تتوفر فيها فرص افضل للاستثمار الزراعي والصناعي سواء ما
كان منه في القطاع الخاص او الحكومي، الامر الذي ينعكس على امكانيات تطوير المناطق المتخلفة مما يترك آثار حتمية على معدلات الهجرة ليس فقط من الريف الى المدينة، بل ايضا من المدن الاقل نموا الى تلك التي تتوفر فيها فرص اكبر لمثل هذه الاستثمارات، حيث يمكن الاخذ بنظر الاعتبار ما يلي:
-ضرورة مساهمة الدولة مساهمة فعالة في القضاء او على الاقل التخفيض من حدة مشكلة الملوحة التي واجهت وتواجه مساحات كبيرة من الارض الزراعية بسبب ضعف وتخلف وسائل الري والبزل مما يتسبب في هجر مساحات كبيرة من الاراضي والتي كانت صالحة للاستغلال الزراعي.
-المساهمة في زيادة الوعي الزراعي بضرورة استخدام المكننة والتسميد لرفع انتاجية غلة الدونم الواحد من الارض الزراعية ولمختلف اشكال الاستغلال الزراعي، ويرتبط بذلك ضرورة اتباع سياسة سعرية من شأنها زيادة عائد جهد الفلاح الحقلي مع ضرورة الاخ بنظر الاعتبار امكانية تدخل الدولة مجددا للحد من تعدد الوسطاء في البيع، الامر الذي يفقد الفلاح جزءا من ارباحه ويحمل المستهلك عبئا اضافيا ويساهم مثل هذا الامر في جدوى المهن الزراعية وربحيتها مما يحول دون هجر الفلاح لهذا النشاط للتوجه والبحث عن انشطة بديلة.
-تحسين شبكات الري والبزل وزيادة الطاقات الخزنية للسدود للمساهمة في حل مشكلة الارواء التي يعاني منها عدد غير قليل من المزارعين والفلاحين.
-توزيع الاستثمارات الصناعية على مناطق القطر المختلفة مما يضمن الجدوى الاقتصادية لمثل هذه المشروعات من حيث الموارد المادية والبشرية مما يحول دون تركزها في مناطق دون اخرى مما يتسبب في ان تكون واحدة من مراكز الاستقطاب التي التي تؤدي الى الهجرة.
ب. يجب ان يولى قطاع الخدمات او البنى الاتكازية عناية كبيرة من قبل اجهزة الدولة، ونعني بذلك على وجه التحديد الاهتمام بتوزيع هذه الخدمات بحيث يراعي ما يلي:
-الاهتمام بتوزيع الخدمات وبمختلف صورها البلدية او الصحية او التعليمية او الترفيهية او خدمات الماء والكهرباء وما الى ذلك، وان تولى عناية خاصة للمناطق التي تفتقر لمثل هذه الخدمات وخاصة المناطق الريفية.
-وعلى مستوى البنى الارتكازية، يجب ان تولى مسألة الطرق والمواصلات عناية كبيرة لانها تشكل شرطا ضروريا لاية تنمية اقتصادية او اجتماعية، وترى ضرورة التأكيد على الطرق الريفية والقناطر والجسور والسكك الحديدية وخدمات النقل سواءا ما كان منها للمسافرين او للبضائع بحيث تقلل من كلف الانتاج الزراعي والصناعي، الامر الذي ينعكس بالتالي على انتاجية هذه القطاعات ومن ثم على مردودها الاقتصادي مما يقلل الى حد كبير من تيارات الهجرة بسبب تخلف هذه القطاعات.
2- التوصيات العامة:
أ. استحداث مراكز متخصصة في المحافظات تربط بمركز ام يضطلع بالدراسات الديموغرافية واية معلومات او بيانات تتصل بها ويكون بديلا عن دوائر الاحصاء الحالية، او مراكز المعلومات التي تضطلع بها مراكز الشرطة حاليا، على ان ترتبط بوزارة الحكم المحلي بدلا من وزارة التخطيط لتشكل بذلك نطاقا متكاملا للمعلومات الديموغرافية مع اقتراح خارطة للمعلومات التي تتصل بالاحصاءات الحيوية والحراك المكاني للسكان واية معلومات اخرى تساهم في ازالة الصعوبات التي تقابلها حاليا بالدراسات السكانية لتساهم في حيوية مثل هذه المراكز.
ويمكن لمثل هذه المراكز اجراء مسوحات احصائية دورية ميدانية كل سنة او سنتين، او حسب مثتضيات الحال، عن طريق تنظيم استمارة مبسطة لموضوعات متخصصة بشؤون السكان وتشجيع البرامج التي من شأنها الحد من الهجرة غير المبرمجة الى مراكز المدن من خلال تشجيع الهجرة المعاكسة على ان تتضمن مثل هذه البرامج توفير قدر معقول من الامتيازات للمهاجرين العائدين، ويرتبط بذلك ضرورة ان تولى
عناية خاصة لبرامج الانماء الريفي والتنمية الجهوية والاقليمية والتي هي جوهر القضية الاساسية.
ب. وضع ضوابط، ان اقتضى الحال، كالتي اتبعت للحد من الهجرة الى بغداد وتعميمها للحد من الهجرة الى المراكز الحضرية الرئيسية الاخرى.
ج. يوصي الباحث بضرورة رفع القيود عن تداول المعلومات المتعلقة بالدراسات الديموغرافية التي تعدها جهات متخصصة، او اية معلومات اخرى لتكون في متناول ايدي الباحثين والدارسين.
د. يرى الباحث ان تولى الدراسات الاكاديمية الجامعية، والتي تشكل معينا ضخما، عناية من قبل الجهات ذات العلاقة للاستفادة من نتائجها او توصياتها.
ھ. تشكيل فرق عمل بحثية مشتركة بين الجامعات والمعاهد المتخصصة والهيئات او الجهات الرسمية ذات العلاقة للافادة من الخبرات الجامعية في هذا الميدان.
و. تشكل الدراسات المتخصصة للمنظمات الدولية رافدا مهما لتغذية نظام المعلومات الديموغرافية والاستفادة من تجارب الدول المماثلة في هذا الميدان.