Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2012/07/17

الإصرار يقهر الصعوبات

صورةمؤيد السعدي

ان التطور المتسارع للعالم في جميع المجالات ، نتج عنه تراكم هائل من المشاكل البسيطة والمعقده – المركبة- التي تطلبت حلولا مناسبه،من خلال التكيف المنطقي للمنظومه العقلية ، التي تزامنت مع زياده المؤهلات المكتسبة من خلال التجربة والممارسة كحلول آنية، لكن بإختلاف البشر تختلف مستويات هذا النوع من الادراك الملموس للتعامل مع المشاكل – الصعوبات – تبعاً لنوع وشكل الاحتكاك الذي تعرض له الفرد، اضافة الى الشخصية التي تتشكل خلال فتره زمنيه متراكمه (1)، والتي تعمل بمثابة المحرك الدافع للعمل ، وان التطابق بين طبيعة الشخصية والاهداف التي يسعى الفرد لنيلها، تخلق نوع من الرضا النفسي الذي يتيح المرور السهر من خلال مشاكل معقده ، قد تبدو للوهلة الاولى انها غير قابله للحل ولكن ، الخطوة الاولى التي يقدم عليها الفرد والتي تكون الاصعب هي القرار " بالمرور" والسبب هو الرغبة للوصول (2)، ويكون لعامل العمر دور بارز في الاقدام على تجاوز الظروف الصعبة وهو على نوعين : فهناك الرغبة في المجازفة كحاجة ملحة للتغيير وهذا ما نلاحظه في شريحة المراهقين ومشاركتهم في سباقات او نزالات قد تكون خطره في كثير من الاحيان لكن رغبة المراهق بالتحدي وابراز ذاته بين محفل من الشباب من كلا الجنسين يعطيه احساس بالفخر وهي الخطوه الاولى لبناء قوه الشخصية "الاصرار على خوض المخاطر" وقد لا يجد المراهق الفرصة او قد تعيق بعض الظروف الاجتماعية بلوغه هذه الرغبة الملحه ، فتنسحب معه الى المراحل الاخرى في حياته، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هذه الرغبة مع مرور الزمن تبقى موجوده ولكن عمليه تحقيقها تكون بنسب اقل بكثير من المراحل الاولى من عمر المراهق وبذلك يتكون مايعرف "بالعامل النفسي السلبي الكامن" وقد يلعب دورا محبطا للطموح في المستقبل، والنوع الثاني هو الفرد البالغ حيث تكون الرغبة في تخطي المشاكل اكثر تعقيدا وذلك لان الفرد في هذه المرحلة يكون قد تشكل له نظام الإدراك الحسي الذي يساعده على تشخيص الصعوبات والمعوقات وفق ما يحمله من تركة الخبره والتجربة مما ينعكس سلبا على عامل الزمن الذي قد يكون في بعض الاحيان ضروريا لتخطي المشكلات وعلى الرغم من وجود الاصرار في هذا النوع لكن عامل الخوف يلعب دورا بالغ الاهمية وهو ما يسمى "الحذرالواعي"(3) .
(1) برتراند راسل ، اثر العلم في الاجتماع ، ( مركز الدراسات العربية، بيروت , 2006) , ص 34 .
(2) د. علي الوردي دراسة في طبيعة الشخصية العراقية، ( بغداد ، دار المرتضا ، 2005) ، ص 54.
(3) جميل صليبا، علم النفس، ( القاهرة ، دار الشرق، 1989) ، ص 101.
ان المشكلة الحقيقية تكمن في الكيفية التي نتعامل بها مع الظروف الصعبة؟ وما مدى تقبلنا للمفاجاءت التي قد تواجهنا في اوقات غير مناسبة؟ وكيف يقوم العقل بايجاد الحلول لها بشكل مناسب وسريع ؟ وما هو الدافع وراء اصرارنا على تخطي الظروف الصعبة؟ وهناك الكثير من التساولات التي تهدف هذه الورقه البحثية لتسليط الضوء عليها . ومن هنا تبرز الاهمية التي تتمحور في تشخيص وصفي للعلاقة السببيه بين اصرار الفرد على تخطي الصعوبات ونوع المشاكل والصعوبات التي تواجهه.
مفهوم الصعوبه:
ان مفهوم الصعوبة ضمن سياق التعلم يعني "المشكلة التي تحتاج الى حل" وهناك مجموعة من التعاريف انطلقت من هذا المفهوم فيعرفها علماء الاجتماع بانها :مجموعة متغايرة من الاضطرابات النابـــعة من داخــل الفرد التي يفترض أنــها تــعود إلى خــلل وظــيفي طــفــيف في الجهاز العصـــبي المركــزي ، تتجلى على شكل صــعوبات ذات دلالة في اكتساب وتوظيف المـهارات اللفظية وغير اللفظية والفكرية التي تظهر في حياة الفرد (4).
من التعريف ندرك ان الصعوبة هي حالة نسبية بين فرد واخر وتساعد المهارات المكتسبة من الخبرات المتراكمة على تعزيز الحلول المناسبة لها . ومثال ذلك لو طلب من شخصين الاول يبلغ من العمر 15 سنة والاخر 35 سنة والاثنان لهم مهارات القراءة والكتابة ،ان يجدو الطريق المناسب لعبور بركة ماء من دون السباحة؟ ما هي الفكرة الاقرب للشخص الاول : سيكون خيار القفز هو الاقرب له والسبب هو الرغبة الملحة بالمجازفه ، في الوقت الذي يحتاج الشخص الثاني الى وقت اكبر في التفكير لان خيار القفز قد يتسبب بحادث له، ولنأخذ المثال نفسه ولكن في قراءة رواية " الحرب والسلام " لليو تولستوي سيكون الحال معكوسا فالشخص الأول يحتاج وقت اكبر في التفكير لحل الترميز وايجاد العلاقات بين شخوص الرواية وقد يحتاج الامر الى الاستفسار لتحليل الاحداث وقد يواجه صعوبات في الفهم الصحيح للدلالة اللفظية التي تتضمنها الرواية لكن الشخص الثاني يكون الامر لديه اكثر مرونه وذلك لقدرة العقل على ايجاد الصور الدلالية في الحياة اليومية ومطابقتها في مضمون الرواية لذلك تكون الصعوبة اقل وهنا يلعب العمق الزمني دور واضح في الفهم (5).
(4) كمال دسوقي ، علم النفس ودراسة التوافق ، ( القاهرة ، دار الفكر العربي، 1988) , ص 199 .
(5) كمال دسوقي ،المصدر نفسه ، ص 265.
وعلى الصعيد المهني فان الصعوبات تواجهنا كل يوم ونحن لانمل من ايجاد الحلول لها فهو امر غير ممتع لنا لكنه ضروري ، والحال مختلف عند المنطق العقلي الذي تجري فيه عمليات الحساب السريع والفوري لكل الصعوبات، هذه العملية تعمل بشكل مرتب ضمن اولويات الحلول المقبولة وخيارات الحل وتساعد عوامل البيئة والتنشئة على دعم عملها، فالخوف والقلق والتردد ، وغيرها من معرقلات عمل "المنطق العقلي" تترسب في الذاكرة وهنا يبرز عامل الاصرار على قهر الصعوبات من خلال تمرير الحلول المناسبة التي تتناسب مع نوع وشكل كل مشكلة (6).
الرغبة في التحدي:
تكمن قدرة الفرد في تحدي الظروف الصعبة التي تواجهه من قابليته على التكيف الايجابي مع عوامل البيئة المتغيرة وهذا يتبع طبيعة السلوك الذي اعتاد عليه فالتجارب السابقة توفر مخزون ممكن للمنطق العقلي ان يسترجعه في الوقت المناسب، لذلك من الضروري ان يزج بالأطفال في تجارب مختلفة تساعدهم على اكتشاف المتغيرات وتبني لديهم القدرة على التعلم وتكون المراحل الاولى من نمو الطفل بين سن 4 -12 سنة هي الاكثر تأثيرا على سلوكه في المراحل الاخرى فيكون قد اكتسب الرغبة والاصرار " للاستحواذ المهذب ". وهناك جملة من العوامل التي تمكن الفرد على اجتياز الظروف الصعبة منها (7):
اول- الرغبة : وهي من اهم العوامل المسيطره على الوصول للهدف على الرغم من التنوع في محتوها ،حيث يكمن المغزى الاساسي في الحاجة الملحة لتحقيق ما يطمح اليه الفرد وقد تكون هذه الرغبة آنية مثل السفر، او لقاء الاصدقاء ،اوتناول المشروبات ،او الرقص وهي قابلة للزوال وقسم من علماء النفس يؤيدون فكره دعم هذه الرغبات الآنية للترفيه عن النفس واشعارها بالقدرة، وفي احيان اخر تكون دائمية كتكوين العائلة والعمل وهي متزامنه مع حاجات اخرى تكون على ترابط معها وليس بالضروره ان تكون الرغبة تلبي الطموح ولكن عليها ان تسد النقص الذي اوجد الحاجه لها .


(6) فرويد وتوسك : عن اصول علم النفس التحليلي –بول روزان- علي محمد الجندي،(القاهرة ، دارالعلوم ، 2001) , ص 67 .
(7) عبد القادر كراجة ، القياس والتقويم في علم النفس وؤية جديده ، ( القاهرة ، دار العلوم ، 2005) ، ص 122.
ثانيا- الاصرار: هو القوة الكامنة في شخصية الفرد على قهر الظروف الصعبة وتعكس قدرة كل فرد على ايجاد الحلول البديلة وعدم الرضوخ للفشل ،ففشل التجربة الاولى لا يعني الكف عن المحاولة التي تستمر حتى بلوغ الهدف ويلعب عنصر التنشئة والبيئة دور هام في رفد الفرد بالاصرار، وعلينا ان نشير الى نوع خاص من الاصرار وهو الاصرار السلبي على تكرار الاخطاء وهو حالة مرضية متزامنة مع الرغبة في تدمير الذات. بينما الرغبة الايجابية المصحوبة بالهدف المثمر تكون ذات نتائج ايجابة للفرد والمجتمع (8).
ثالثا- التجارب السابقة: ان كل ما يمر به الفرد يعتبر خزين مهم من الخبره المتراكمه التي تكون مهيئه للاستفاده منها في الوقت والمكان المناسبين وهي على انواع منها تجارب "الصدفة" وهي الأكثر حدوثا في حياتنا اليومية وفي اغلب الاحيان لا يدركها الفرد ولكن تكون قابلة للاسترجاع الآني ، ومثال ذلك حوادث المرور العرضية ، والاختبارات الفجائية غير المسبوقه بتنبيه في الفصول الدراسية ، وهناك التجارب التي يغوضها الفرد برغبة مسبقة كالدفاع عن الوطن – الحروب- ودخول الامتحانات الدراسية ، والسباقات الرياضية، ان كل الانواع السابقة تكون مايعرف "بالمنظومة المعلوماتية العقلية" التي تزداد عمقا مع مرور الوقت وقد وجد الباحثون ان اغلب السجناء الذين قضوا فترات طويلة في السجن لا يملكون تجربة عملية على الرغم من تكون القدرة الفكرية لديهم لكن عملية توظيفها بشكل عملي في الحياة يكون اكثر صعوبة ويحتاجون الى وقت كبير لتعلم تطبيق خبراتهم الفكرية عمليا والتي قد لا تجد لها المنظومة المنطقية ضمن الواقع وهذا بسبب عدم خوضهم للتجارب بشكل واقعي (9).
الخلاصة:
ان الاصرار والرغبة والتجارب تعمل على تكوين الخزين العقلي والتي تساعد الفرد على تجاوز وقهر الظروف الصعبة على ان تكون مصحوبه بقدرة مسبقة على الوصول للهدف حتى لو تعرض الفرد للفشل فانه يستطيع ان يكرر التجربة فالوقوف كثيرا بسكون لا يعلمنا ان نعدوا بشكل جيد والسقوط المتكرر بكسبنا القدرة على اجتياز المصاعب ، وان اروع ما في الشخصية الانسانية تلك الرغبة في تحدي المستحيل التي تدفع بقهر الصعاب.

(8) عبد القادر كراجة ، مصدر سابق ، ص 142.
(9) عبد القادر كراجة ، المصدر نفسة ، ص 157.
 


ادخل الحروف والأرقام الموجودة في الصورة:
 
غير حساس لحالة الأحرف