Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2013/06/12

حديث في مقهى استاربيكس

صورةمؤيد السعدي - تكساس
اكثر الناس تشككاً في قيمة الحياة هم أكثر الناس خوفاً من الموت ورهبة ، والذي يرهب الموت ويشك في الحياة لا يمكن ان يصل الى شيء أكثر من الاضطراب والفزع . الحل الحقيقي هو : الوعي .. ان نعي ما يمكن وعيه من مشاكلنا ، وان نبذل جهدا لنجعل من حياتنا شيئا ظاهراً ملموساً يعطينا مزيداً من اليقين .. فالحب الصادق، والأبناء ، والمصلحة المشتركة مع الناس، ومحاولة التفكير المتعقل الهادىء فيما يتعرض له الانسان من مشاكل .. كل هذا يمثل وسائل الحل لهذه الاشكالات العنيفة.
فليس هناك خوف من الموت او رغبة بالحياة بل هناك دافع للموت ودافع للحياة فصور البطولة قد تكون دافع للموت كما قد تكون شكل للحياة فاختيار العنف في كثير من الحالات هو مجرد وسيلة لغاية ، وهي النضال لطرد المحتل وتحرير الارض والقضاء على الاستغلال واشكال الفساد ... ولكن الاستغراق في جو العنف لمدة طويلة يجعل العنف هدفاً مستقلاً ليس له غاية وهنا يتحول الثوري الى أرهابي .
ففي مسرحية " الايدي القذرة" للكاتب جان بول سارتر صورة لهذا الشكل من العنف الذي يتحول من عنف غير مبرر الى عنف مبرر ممثلة شخصيته بـ " هوجو" الذي مل من رغد العيش واراد ان يجعل للحياة معنى اخر اكثر اثارة وتشويقاً فترك حياة الثراء والرفاهية وبدأ يبحث عن التشويق بعد ان إنتمى الى أحد الاحزاب السياسية المعارضة للحكومة وبعد مضي زمن كلف بقتل شخصية سياسية مهمة وكانت هذه قمة التشويق لديه فتقرب من السياسي ليطمئنه وفي يوم دار حوار بين الاثنان نتج عن اقتناع " هوجو" بافكار السياسي التي وجد فيها اشباعا لاسئلة كثيرة لديه وتخلى عن فكرة قتله لكنه اكتشف في أحد الايام وهو يدخل بيته ان السياسي على فراشه ومع زوجته عند ذاك اطلق الرصاص عليه . تعرفت زوجة "هوجو" على السياسي واعجبت بافكاره عندما كان يزورهم بإستمرار في المنزل. ان محاولة هوجو الاولى كانت غير مبررة ولكنها في الثانية كانت مقنعة له باستخدام العنف . ان الكثير من الحالات الاجتماعية قد تكون سبباً في الفشل او سبباً في النجاح ولكن فقط عندما يكون الانسان مقتنعا ان الطريق الذي يسير فيه هو الصحيح وليس سواه ، فقد عاش تولستوي ذلك الاقطاعي الثري مع زوجة واثنا عشر ولداً وفتاة وكانت حياته سعيدة لتوفر كل سبل العيش الرغيد ، لكنه لم يجد مبرراً للحياة في احضان هذا الترف وبدأ ينظر للفلاح الذي يزرع عنده بعطف بل أنه كان يعمل معهم ويخيط حذائه بنفسه ويكتب ذات يوم أنني أجد ان الحياة لا تبرر الطغيان وان وجود المال لا يعني استغلال الفلاحين . كان يجد مبرراً لحياته وسبباً مقنعاً للعيش أكثر من مجرد الجلوس وعد الاموال، حتى كتاباته الكثيرة والمهمة لم يكن يفكر فيها أكثر من احساسة بمشاكل الناس ، ورغم عناد زوجته المسكينة التي ظلمها كثير من الكتاب، كونها كانت دائما تحاول ان تحافظ على ثروت زوجها ولا ترضى ان يوزع امواله على الفلاحين ، لم يستطع تولستوي ان يستمر مع زوجته التي ابتليت به فلم يكن تفكيرها يتناسب وعظمة تفكيره ،فرحل ذات صباح ليستقر بعيدا في غرفة محطة القطار وظل فيها حتى مات وعمره اثنان وثمانون عاماً وظلت زوجته واقفة على باب الغرفة تراقبه وترعاه ولكنه كان يردد "انك السبب في أنني لم امنح المحتاج ما يريد" . مات تولستوي وترك في نفس الملايين من الناس حب لهذا النبي الذي وقف مع مبادئه ضد الاغنياء ، لم يتغير ولم يجامل وهو صورة لشكل اخر من التغيير ولكن المبرر لم يكن عنيفا ولم يستخدم ضد القيصر وهو يدعوا لانصاف الفقراء والمسحوقين السلاح بل وقف مع الانسان وناصره اعطاه احساس بانه معهم ذلك الاحساس هو نفسه احساس الانبياء الذين جاءوا بنفس المفاهيم .
ان العنف قد ينبع من الاحساس بالظلم وخاصة في فترة الطفولة .فها هو الكاتب الكبير " كافكا" يتذكر عندما كان طفلا صغيرا وبدا يبكي وابوه لا يبالي وحاول الاب ان يسكته فسأله ماذا تريد طلب الطفل الصغير ماءاً فجاءه به لكن الطفل استمر بالبكاء فأخذه ابوه الى شرفة البيت وتركه بملابسه الخفيفة يشعر بالبرد والخوف هذه الصور من العنف لم تفارق كافكا الذي لازمه الخوف من الاب المتعجرف والمتسلط طوال حياته القصيرة ، فكتب رسالة الى والده عندما كبر واصبح معروفا وارسلها له عن طريق امه المسكينة التي لا تستطيع فعل اي شيء كتب فيها : " منذ عهد غير بعيد سألتني عما يخيفني منك ، لم أدر كعادتي معك بم اجيب ، ويرجع ذلك من ناحية الى ذلك الخوف الذي يملك على نفسي إزاءك ، ولان دوافع هذا الخوف كثيرة ومتعددة يصعب الكلام عنها في دقة وتفصيل... ومن المؤكد أن العطش لم يكن الدافع الوحيد للبكاء ، ولكنني كنت أبكي لكي أثيرك من ناحية، ولكي أتسلى من ناحية أخرى ، ولما لم تفلح تهديداتك العنيفة المتكررة في إسكاتي أخرجتني من سريري ، وحملتني الى الشرفة حيث تركتني بعض الوقت وحيدا وليس على جسدي الا رداء رقيق، وأغلقت باب الشرفة دوني" مات كافكا وهو في سن الاربعين ولم تقرأ الرسالة التي اخفتها امه عن الوالد خوفا على ولدها من بطش ابيه اليهودي الثري الذي مات بعده بمدة قصيرة ، مات كافكا بالسل وظل حبيس خوف ابيه هذا الخوف الذي تحول الى شكل من الارهاب الذي سطره كافكا في كتاباته المأساوية. لم يتحول عنف الاب في نفس كافكا الى عنف سلوكي بل كان تحوله اخطر فقد انتج هذا المحامي الشاب قبل موته نتاجا رائعا عكس بؤس وشقاء المجتمع ،كانت سببا في تغيير نوعي. ان اشكال العنف وصور التغيير تختلف ولكن تبقى الانسانية هي حلقة الوصل بين بلوغ الغاية ودوافعها.
 


ادخل الحروف والأرقام الموجودة في الصورة:
 
غير حساس لحالة الأحرف