Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 2015/03/17

دراسات فنية في قصص القران (قصة نمرود)

عبد الله خريبط
نحن أمام ثلاث أقاصيص أو حكايات : تتماثل فيما بينها (من حيث الأفكار) .
الحكاية الأولى تتحدث عن إبراهيم (ع) وموقفه من طاغية عصره (نمرود) في قضية الإحياء والإماتة من قبل الله عز وجل والحكاية الثانية تحدثنا عن احدى شخصيات (الماضين) فيما مرت ذات يوم على قرية خاوية فتساءلت مستفهمة :
((أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)) وأما الحكاية الثالثة ، فتتناول قضية إبراهيم (ع) في تقطيعه للطيور الأربعة ، ثم عودة الحياة إلى الطيور المذكورة . ومن الواضح ، إن هذه الأقاصيص الثلاث تحوم بأكملها على قضيةٍ واحدة هي : (الإماتة والإحياء) ، أي إماتة الله عز وجل كلَّ شيء واحياءَه من جديد . ومع إنَّ هذه الحكايات الثلاث تحوم على ظاهرة واحدة ، إلّا أنها في الآن ذاته تتناول الإماتة والإحياء من جوانب متعددة ، بحيث تُعالج كلُّ أُقصوصةٍ : جانباً خاصاً من الظاهرة . كما أن الشخصيات الثلاث التي أبرزتهم القصصُ في هذا النطاق ، يشكلّون مستوياتٍ مختلفة فأحدُهم إبراهيم (ع) وهو شخصيّة فذّة متميزة بسماتٍ خاصة لاتتوفر عند سواه : ويكفي انه خليل الله وانه صاحب الحنيفية السمحاء .
وأما الشخصية الثانية فهي (ارميا) أو (عُزَير) أو سواهما من شخصيات النبوة .
والشخصية الثالثة هي (نمرود) وهو شخصيةٌ كافرة بَلهاء .
إن هذه الشخصيات الثلاث بالرغم من التفاوت فيما بينها تتعرض لتجربة الإحياء والإماتة في ظواهرَ مختلفة ذات صلةٍ بالبشر وبالحيوانات وسواها .
والمهم إن كلاً من ظاهرة الإماتة والإحياء ، ثم الشخوص الذين تعاملوا فكريا مع الظاهرة المذكورة ، ... إن كلا منهما يخضع لـِ (وحدةٍ) تجمع الأقاصيصُ بين خطوطها ويخضع لـِ (فوارق) ، تفصل الأقاصيص بينها في الآن ذاته . وهذا واحد من أسرار الفنّ العظيم .
إن الأهمية الفنية لهذه الأقاصيص أو الحكايات الثلاث ، تتمثل : في إمكان عدّها جميعاً قصة واحدة مادامت تتناول قضية واحدة هي : إن الله قادرٌ على إماتة كل شيء وإحيائه من جديد . كما يمكن عد كل واحدة منها ، أقصوصة مستقلة مادامت ذات شخوصٍ ومواقف وأحداث كل واحدٍ منها منفصل عن الآخر. ومجرد كون هذه الأقاصيص ذات سمة مزدوجة ، على نحو ما أوضحناه ، يظل أمراً ، له أهميته الجمالية العظيمة التي لايُدرك أسرارها إلا من أُوتيَ خبرة في تذوق القصص . ويمكننا تعرف هذه الحقائق حين نبدأ بمعالجة كل أقصوصة من هذه الأقاصيص على حِدة على أن نحاول في الآن ذاته أن نصل فيما بينها بعد ذلك . ونقف أولاً عند حكاية نمرود حسب تسلسلها القصصي الذي ورد في النص القراني الكريم .
يقول النص القصصي : ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )) (البقرة258) .
إن هذه الآية القرآنية الواحدة تحفل بعنصر قصصي ثـَرّ بالرغم من قصر الحكاية التي اوردتها .
إنها أولاً ذات شخوص يتطلبها شكل الأقصوصة او الحكاية متمثلة في شخصيتي إبراهيم (ع) ونمرود .
كما أنها ذات موقف يتطلبها الشكل القصصي المذكور فمثلاً في مناقشة أو محاجةٍ بين إبراهيم ونمرود حيال ظاهرةٍ كونيةٍ خطيرة هي : الإماتة والإحياء.
كما أنها – ثالثاً- تشكل مدخلاً إلى أقصوصتين بعدهما تناولاتا نفس ظاهرة الإحياء والإماتة ولكن عبر عمليتين تطبيقيتين تلقيان الإنارة بنحوٍ مفصّل على الظاهرة المذكورة .ولنحاول الوقوف مفصلاً عند هذه الحكاية أو الأقصوصة .
النصوص المفسرة تتفاوت قي تحديد البيئة النفسية التي حملت كلاً من إبراهيم ونمرود على هذه المناقشة ، فبعضها يذهب إلى أن المناقشة بينهما جرت عند إلقاء إبراهيم (ع) في النار التي أعدها نمرود لإحراق إبراهيم ، وبعضها يذهب إلى أن المناقشة بينهما تمت عند كسر إبراهيم للأصنام .
تقول الرواية الأولى :( لمّا ألقى نمرود إبراهيم في النار وجعلها الله عليه برداً وسلاماً ، قال نمرود : يا إبراهيم من ربُّك ؟ قال: الذي يُحيي ويُميت )
قال له نمرود : (( أنا أُحيي وأُميت )) فقال له إبراهيم : كيف تُحيي وتُميت ؟
قال : أعمد إلى رجلين مِمَّن قد وجب عليهم القتل ، فأُطلق عن واحدٍ وأقتل واحداً ، فأكون قد أحييتُ وأمتُ قال إبراهيم : إن كنت صادقاً فاحيي الذي قتلته .
ثم قال : دَعّ هذا ، فأن ربي يأتي بالشمس من المشرق ، فأتِ بها من المغرب . فكان كما قال الله عز وجل : (( فَبُهِتَ الذي كفر ... )) .
إن هذه الرؤية التفسيرية تلقي أكثر من إنارة على الموقف أنها بعامة تحدد معنى الصلابة لدى الشخصيات المجاهدة فإبراهيم (ع) وهو يتقدم إلى المحرقة لا يعنيه هول النار بقدر مايعنيه أن يُلقي كلمة الله إلى الآخرين حتى انه يقتحم مناقشة مع شخصية بَلهاء مثل نمرود دون أن تصرفه بلاهة نمرود وهول النار من الدخول في مناقشة تتطلب إلقاء حجر كبير على الطاغية الأبله نمرود .المهم إن إبراهيم ألقى كلمته سواء أكان ذلك عند إلقائهم إياه في النار أو عند كسره لأصنامهم أو عند نطاق بيئي آخر .
ولهذا السبب سكتت القصة عن تحديد البيئة النفسية للمناقشة واكتفت (من الزاوية الفنية) بذكرها نمط المناقشة بين إبراهيم ونمرود دون أن تدخل في التفصيلات . إن الأهمية الفكرية والفنية لهذه المناقشة تتمثل في جملة من الحقائق منها : إن المتاع الدنيوي من ملك ونحوه يحتجز كثيرا من الأغبياء من التفكير السليم في إستكناه الحقائق . لقد قالت القصة عند نمرود انه (أتاه الله الملك) :
((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ)) .
وواضح إن القصة لم تخلع هذه السمة (سمة الملك) على نمرود عبثاً بل تستهدف من ذلك فنياً لفت الانتباه إلى أن الغباء والبلاهة وانغلاق الفكر يقف وراء هؤلاء الباحثين عن المتاع الدنيوي وقمته هي : الملك أو السيطرة السياسية ، من الممكن أن يَبهر السُذَّج من الناس ملك أو سيطرة على الرقاب بحيث يعدونها قمة لما يسمى في اللغة النفسية بـِ (التقدير الاجتماعي) من حيث نظرتهم إلى الحكام أو من حيث نظرة الحكام إلى أنفسهم يعد الملك قمة الدافع إلى السيطرة والتفوق لأنه تملك لرقاب الناس بأكملهم .
بيد أن التدقيق من خلال هذه الأقصوصة في عقلية حكام الأرض الذين لاينتسبون إلى الله يدلنا بوضوح على مدى ماهم عليه من غباء وبلاهة وانغلاق فكر بحيث ينهارون أمام أول مناقشة تواجههم على نحو ماسنلحظه في مناقشة إبراهيم لنمرود في قضية الإحياء والإماتة.
 


ادخل الحروف والأرقام الموجودة في الصورة:
 
غير حساس لحالة الأحرف